تُعدّ كلمة "لا إله إلا الله" أصل الدين وأساسه المتين، وعنوان الفلاح وبرهان النجاة، فهي مفتاح دار السلام والبراءة التامة من الشرك، والسبيل الوحيد للنجاة من عذاب النار والفوز بمغفرة الذنوب ورضوان الله سبحانه وتعالى. ويقوم جوهر هذه الكلمة العظيمة على الإيمان المطلق بوحدانية الله عز وجل في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، واليقين بأنه لا شريك له في ملكه وتدبيره، وأنه وحده المستحق للعبادة دون سواه.
ولأجل هذه الغاية السامية خلق الله الثقلين، وأرسل الرسل مبشرين ومنذرين يدعون أقوامهم إلى التوحيد الخالص بأيسر الطرق وأوضحها، حتى خُتمت الرسالات بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم الذي أنزل الله عليه القرآن الكريم هدى وشفاء ورحمة للمؤمنين، فكان الصحابة رضي الله عنهم يتلقون هذه العقيدة الصافية من مشكاة النبوة ومن آيات الذكر الحكيم مباشرة، مما أثمر طمأنينة واستقراراً في النفوس وصلاحاً ممتداً في أرجاء الأرض.
وتتأكد عظمة التوحيد بكونه حق الله الواجب على العبيد جميعاً، وشرطاً أساسياً للأمن والاهتداء والنصر والتمكين، به يتمايز الناس إلى مؤمن وكافر، ومعه يجني المسلم ثمار إيمانه في دنياه وعند مماته وفي قبره ويوم حشره؛ إذ إن صلاح العالم بأسره مرتبط بإفراد الله بالعبادة وطاعة رسوله، بينما يرجع كل شر وبلاء إلى الشرك ومخالفة أمر الله، مما يوجب بذل الأعمار والأموال لنصرة هذه القضية والدعوة إليها.
الغاية العظمى والهدف الأسمى من خلق الجن والإنس
إن التوحيد هو القضية المحورية والعلة الكبرى التي أوجد الله تبارك وتعالى الخلق من أجلها؛ فقد صرح القرآن الكريم بهذا المقصد صراحة في قوله جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: 56]، ليؤكد أن وجود الإنسان مرتبط بتحقيق العبودية الحقة لربه والخلاص من أوضار الشرك.
وقد اتفقت دعوة الأنبياء والمرسلين على هذا الأصل العظيم؛ حيث قال تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ۚ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [سورة النحل: 36]، وأكد سبحانه وحدة الرسالة الإلهية بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25]، فكانت "لا إله إلا الله" النداء الأول في تاريخ الرسالات، كما جاء في قوله تعالى مخبراً عن نبي الله هود: ﴿۞ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 65]، فمن أجل هذه الكلمة أُنزلت الكتب وبُعثت الرسل وقامت القيامة وحقت الحاقة ووقعت الواقعة، ليُعبد الله ولا يُشرك به، ويُطاع فلا يُعصى، ويُشكر فلا يُكفر.
حق الله الأعظم على عباده ووعده لمن حققه
تتجلى أهمية التوحيد بوصفه أوجب الواجبات في الحديث النبوي الشريف الوارد في الصحيحين عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت رديف النبي - صلى الله عليه وسلم - على حمار، فقال لي: "يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟" قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً" قلت: يا رسول الله أفلا أبشر الناس؟ قال: "لا تبشرهم فيتكلوا".
ويبرهن هذا الحديث على أن حق الله المفروض هو إفراده بالعبادة والتجرد الكامل من الشرك بصغيره وكبيره؛ فمن سلك مسلك التوحيد نال الأجر الجزيل وحُرِّم على العذاب، ومن أشرك بالله شيئاً فقد باء بالخسران المبين في الدنيا والآخرة، مستوجباً العقوبة والحرمان من الفضل الإلهي.
أثر التوحيد في صلاح الكون وعواقب الانحراف عنه
يرتبط استقرار الحياة وصلاحها ارتباطاً وثيقاً بنقاء العقيدة في النفوس والمجتمعات؛ وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هذه الحقيقة الكونية بقوله: "ومن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض، فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله، وكل شرٍ في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسلّط عدوٍ وغير ذلك، فسببه مخالفة الرسول والدعوة إلى غير الله، ومن تدبر هذا حق التدبر وجد هذا الأمر كذلك في خاصة نفسه عموماً وخصوصاً".
ويعكس هذا التصور الدقيق أن كل فساد واضطراب وتسلّط للأعداء ونقص في الخيرات إنما ينشأ من ترك التوحيد ومخالفة هدي الرسل، في حين تتنزل السكينة والبركة والطمأنينة كلما عادت البشرية إلى منبع الإيمان الخالص، مما يجعل الدعوة إلى التوحيد وحمايته من أعظم الأعمال التي تستحق بذل الأوقات والأموال دفاعاً عن هذا الدين ونصرةً لمقاصده.
فطرة التوحيد وثماره الممتدة في رحلة العبد
خلق الله تبارك وتعالى بني آدم على الفطرة السليمة المجبولة على معرفته وتوحيده، ولا يعرض للعبد انحراف عن هذا المسار إلا نتيجة مؤثرات خارجية تُفسد نقاء فطرته، وكلما تعمقت معرفة العبد بربه كلما علت منزلته وارتقت عبادته، إذ لا تُقبل أي عبادة ولا تصح إلا بارتكازها على أساس التوحيد والإخلاص.
ويظل التوحيد هو الحصن الحصين الذي يجني المؤمن ثماره في سائر أطوار حياته، وعند نزول الموت، وفي ظلمات القبر، وأثناء أهوال الحشر، متوجاً ذلك بدخول جنات النعيم والنجاة من النار؛ مصداقاً لما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: "فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله"، لتبقى هذه الكلمة أعظم أسباب السعادة الأبدية لمن قالها مخلصاً وعمل بمقتضاها ظاهراً وباطناً.
...........................
المراجع:
الإيمان باليوم الآخر، علي محمد الصلابي، دار الأصالة، اسطنبول، 2023م.
عقيدة التوحيد في القرآن الكريم، محمد ملكاوي، مكتبة دار الزمان، ط1، 1985م.
التوحيد بين الواقع والمأمول، محمد الفيفي، المكتبة الشاملة.
الشرح الميسر لكتاب التوحيد، عبد الملك بن محمد بن عبد الرحمن القاسم، المكتبة الشاملة.

