حذر المحامي والحقوقي خالد علي من تحول أكثر من 300 كيلومتر من الساحل الشمالي، الممتد من العجمي إلى مرسى مطروح، إلى نطاق مغلق تحاصره الأسوار والبوابات والمنتجعات الخاصة، بينما يعجز ملايين المصريين عن الوصول إلى شواطئ عامة تطل على البحر الذي يفترض أنه ملك للجميع.

 

وأكد علي، في تدوينة مطولة، أن الأزمة لا تتعلق بمنتجع واحد أو عدد محدود من المشروعات، بل بنمط تنموي كامل حوّل البحر إلى امتياز طبقي، ومنح المستثمرين حق السيطرة على الشاطئ، بينما تراجعت الدولة عن دورها في حماية الملكية العامة وضمان وصول المواطنين إليها.

 

 

البحر ليس عقارا

 

يرى خالد علي أن البحر مورد عام لا يجوز احتكاره أو معاملته باعتباره عقارا قابلا للبيع، موضحا أن الدولة ليست مالكة للشواطئ بالمعنى التجاري، وإنما أمينة عليها ومكلفة بحمايتها لصالح المجتمع كله.

 

واعتبر أن تحويل الشاطئ إلى سلعة لا يمثل تنمية حقيقية، بل خصخصة لحق طبيعي، لأن الاستثمار في الفنادق والمنتجعات لا يمنح المستثمر حق إغلاق البحر أمام المواطنين أو التعامل معه باعتباره حديقة خاصة بالملاك.

 

وتساءل عن موقع المواطن داخل مدينة العلمين التي قدمتها الحكومة باعتبارها عاصمة صيفية جديدة، وعن عدد الشواطئ العامة التي أنشئت بها، ومدى قدرة الموظف أو العامل أو المدرس على قضاء يوم واحد على شاطئها.

 

وأضاف أن العاصمة التي لا تتسع إلا للقادرين لا يمكن وصفها بأنها عاصمة للجميع، وإنما تصبح منتجعا طبقيا تديره الدولة، ويقتصر دخوله على من يمتلكون القدرة على دفع أسعار الإقامة والخدمات المرتفعة.

 

واستند علي إلى مشهد يتكرر على امتداد الساحل، حيث تقطع الأسوار والبوابات الطريق بين المدن والبحر، وتتحول مساحات واسعة من الشاطئ إلى مناطق محجوبة لا يدخلها إلا ملاك الوحدات أو نزلاء الفنادق.

 

ورأى أن ملايين المصريين أصبحوا يشاهدون البحر من خلف الحواجز، رغم أن المجتمع كله ساهم من خلال الضرائب والإنفاق العام في إنشاء الطرق والمرافق وشبكات الكهرباء والمياه والاتصالات التي رفعت قيمة الأراضي الساحلية.

 

أرض رخيصة وأرباح هائلة

 

لفت خالد علي إلى أن مساحات واسعة من الأراضي الساحلية خرجت من الملكية العامة خلال عقود بأسعار قال إنها لم تعكس قيمتها الحقيقية، وفي ظل إجراءات واتفاقات ما زالت تثير تساؤلات بشأن السعر والمساحة وشروط التعاقد.

 

وضرب مثالا بأرض مشروع مراسي على البحر المتوسط، مشيرا إلى أن سعر المتر عند التخصيص بلغ، وفق ما أورده، نحو 163 جنيها، قبل أن ترتفع قيمته لاحقا بمعدلات ضخمة بعد تطوير المنطقة وإنشاء البنية الأساسية المحيطة بها.

 

كما أشار إلى أن 5 ملايين متر في مشروع الجونة على البحر الأحمر بيعت، بحسب تدوينته، مقابل 5 ملايين دولار، بما يعادل دولارا واحدا للمتر، لافتا إلى أن قيمة الأرض تضاعفت بعد تنفيذ الدولة مشروعات الطرق والمرافق.

 

وأكد أن المشكلة لا تقف عند انخفاض سعر البيع، بل تمتد إلى انتقال ملكية أصول ساحلية نادرة بصورة دائمة إلى عدد محدود من المستثمرين، في حين تحمل المجتمع تكلفة زيادة قيمتها من المال العام.

 

وبحسب طرحه، دفعت الدولة مليارات الجنيهات لتطوير الطرق وتوصيل الكهرباء والمياه والإنترنت، ثم ذهبت العوائد الأكبر إلى الملاك، من دون حصول المواطنين على نصيب مواز يتمثل في شواطئ عامة مفتوحة ومجهزة.

 

وشدد على أنه لا يعادي الاستثمار أو إقامة المنتجعات والفنادق، لكنه يرفض الخلط بين حق المستثمر في تحقيق الربح وبين منحه سلطة احتكار الأرض والبحر ومنع السكان من الوصول إلى مورد طبيعي لا يمكن تعويضه.

 

 

 

نماذج تحمي الحق العام

 

قارن خالد علي بين الوضع في مصر وتجارب دول سياحية كبرى، موضحا أن شواطئ كوباكابانا وإيبانيما في البرازيل تظل مفتوحة للجميع، رغم وجودها داخل مناطق تعد من الأغلى عقاريا في العالم.

 

وأضاف أن دولا مثل إسبانيا والبرتغال وفرنسا وإيطاليا واليونان تسمح بإقامة الفنادق والمنتجعات الفاخرة على السواحل، لكنها تضمن في الوقت نفسه وجود ممرات وطرق عامة تكفل للمواطنين الوصول إلى الشاطئ.

 

وأوضح أن هذه الدول لا تتعامل مع البحر باعتباره امتيازا طبقيا، بل حقا مدنيا تحميه التشريعات، بما يسمح بالتعايش بين النشاط الاستثماري وحق السكان والزوار في استخدام الشواطئ دون قيود مالية أو اجتماعية.

 

كما قدم فيتنام نموذجا مختلفا، حيث لا تباع الأراضي في المشروعات السياحية والصناعية والزراعية، وإنما تمنح للمستثمرين بحقوق انتفاع متفاوتة المدة، مع بقاء الملكية الأصلية للدولة وإمكانية سحب الأرض عند الإخلال بالشروط.

 

ويرى علي أن هذا النظام يحقق توازنا بين حماية المستثمر والحفاظ على سيادة المجتمع على موارده، لأن المستثمر يحصل على ضمانات وعوائد، بينما لا تفقد الدولة الأرض إلى الأبد ولا تتنازل عن حق الأجيال المقبلة فيها.

 

ودعا إلى تطبيق صيغ مماثلة في مصر، تقوم على منح حقوق انتفاع قصيرة أو متوسطة أو طويلة الأجل بحسب طبيعة كل مشروع، مع تخصيص مساحات كافية ومتوازنة للشواطئ العامة على امتداد السواحل.

 

وخلص إلى أن التنمية التي تطرد المواطن من البحر لا يمكن اعتبارها تنمية عادلة، لأنها تعيد توزيع الجغرافيا لصالح القادرين، وتحول أحد أهم الموارد العامة إلى سلعة لا يستطيع الوصول إليها إلا أصحاب الدخول المرتفعة.

 

وأكد أن البحر لا يحتاج إلى تحريره من المستثمرين، بل إلى دولة تتذكر أن واجبها الأول ليس رفع قيمة العقارات، وإنما حماية الحق العام وتمكين الأطفال والأسر من الوصول إلى الشاطئ دون أن تمنعهم الأسوار أو الأسعار.