تتسارع وتيرة بيع الأصول العامة في مصر مع إعلان مجلس وزراء حكومة الإنقلاب الموافقة على طرح حصة تتراوح بين 30% و45% من أسهم بنك القاهرة في البورصة، لتفقد الدولة جزءاً جديداً من رقابتها المباشرة على السوق المالي.
​
​
ويأتي تحديد البنك للسعر النهائي للطرح عند 5.30 جنيه للسهم تمهيداً لبدء التسوية والتداول مطلع نوفمبر بعد استكمال الموافقات التنظيمية، ما يثير تساؤلات حادة حول التوقيت وآليات التسعير.
​


​
تبديد الأصول التاريخية بأسعار زهيدة
​
​
إذ يرى أستاذ الاقتصاد السياسي بجامعة باريس الدكتور أحمد السيد النجار أن بيع الأصول المصرفية الناجحة في خضم تقلبات العملة يمثل استنزافاً صريحاً لمدخرات المجتمع، مقدماً تفريطاً في دخل مستقبلي مضمون مقابل سيولة مؤقتة.
​
​
وحيث إن تحديد سعر السهم عند 5.30 جنيه يقلص القيمة الحقيقية للبنك مقارنة بأصوله الضخمة وانتشاره التاريخي، فإن الحصيلة المتوقعة تعجز عن إحداث فارق تنموي مستدام في ظل تراكم الالتزامات الدولية.
​
​
كما أن التنازل عن حصة تتجاوز ثلث المؤسسة يحرم الخزانة من أرباح مصرفية منتظمة دعمت الموازنة لسنوات طويلة، لتتحول عوائد تلك الحصص إلى جيوب كيانات خاصة ومستثمرين خارجيين يترقبون مثل هذه الصفقات.
​
​
ومن ثم، يعكس الإصرار على إتمام العملية تسارعاً نحو إرضاء شروط المؤسسات المقرضة على حساب الأمان المالي الوطني، متجاهلاً التحذيرات من تقويض ركائز الاستقرار الاقتصادي الداخلي في ظل الظروف الراهنة.
​
​
علاوة على ذلك، يثبت هذا المسار ارتهان القرار الاقتصادي للمسكنات المالية العاجلة بدلاً من تشجيع الاستثمار الإنتاجي، ما يضع مؤسسات تمويل المشروعات الصغيرة في مهب المضاربات السوقية غير المأمونة.
​
​


مأزق تسديد الديون يبتلع السيولة
​
​
وفي السياق نفسه، يوضح استشاري التمويل وإدارة المخاطر الدكتور وائل النحاس أن الاندفاع نحو أسواق الأسهم لتأمين تدفقات نقدية يعكس عمق الأزمة التمويلية التي تفرض توجيه كل حصيلة إلى سداد الالتزامات الفورية.
​
​
بينما يفاقم هذا النهج عجز الموازنة على المدى الطويل بفعل خسارة تدفقات الأرباح السيادية، تاركاً السياسة النقدية بلا مصدات محلية كافية لمواجهة الصدمات العالمية المتتالية وأعباء خدمة الديون الخارجية المتصاعدة.
​
​
بيد أن توجيه عوائد طرح 30% إلى 45% من البنك لإغلاق فجوات تمويلية قصيرة الأجل يحرم الاقتصاد من بناء احتياطيات حقيقية، ويكرس الاعتماد على بيع الملكيات لتفادي الضغوط اليومية للعملة الأجنبية.
​
​
فضلاً عن أن استمرار التوسع في الاقتراض يجعل حصيلة الطروحات تبدو كقطرة في بحر الفوائد المستحقة، الأمر الذي يفرغ برنامج إصلاح القطاع المالي من أي مضمون هيكلي إنتاجي.
​
​
إضافة إلى أن غياب الشفافية في إعادة تدوير الأموال داخل مفاصل الموازنة يزيد من شكوك الشارع حيال جدوى القرارات الاقتصادية، في ظل استمرار تدهور القوة الشرائية وغياب أي عائد ملموس للمواطنين.
​
​


فقدان السيطرة على الائتمان الشعبي
​
​
وعلى صعيد متصل، يؤكد أستاذ العلوم الاقتصادية والمالية العامة الدكتور عبد النبي عبد المطلب أن إضعاف قبضة الدولة على بنك القاهرة يهدد وصول الائتمان الرخيص لقطاعات الحرفيين والشركات المتوسطة التي نشأ البنك لخدمتها.
​
​
ذلك أن دخول مستثمرين استراتيجيين بحصص تقارب نصف الملكية يفرض بالضرورة معايير ربحية مصرفية بحتة، تستبعد الاعتبارات الاجتماعية التي كانت توازن سياسات البنك العامة عبر عقود من عمله التنموي.
​
​
غير أن تقليص مساهمة الدولة في القرار الائتماني سيترك الفئات الأولى بالرعاية بلا مظلة مصرفية موثوقة، ليتحول بنك المشروعات الشعبية إلى آلة لتعظيم عوائد المساهمين الجدد بغض النظر عن أولويات التنمية.
​
​
وبالنظر إلى الشروط المتوقعة من حائزي الأسهم، فإن تقليص التمويل التنموي سيزيد من تعقيد الأنشطة الإنتاجية الصغيرة، ما يدفعها إما نحو الركود أو اللجوء إلى قنوات ائتمانية شديدة التكلفة.
​
​
وهكذا تجد السياسة الاقتصادية نفسها حبيسة مسار أحادي يجردها من أدوات التدخل المالي لحماية الطبقات المنتجة، مما يرسخ حالة الاختناق الاقتصادي التي يعاني منها السوق المحلي منذ سنوات طويلة.