مروان قبلان

كاتب وباحث سوري

 

عندما خرج السوريون إلى الشوارع في ربيع 2011، خرجوا، ببساطة، لأنهم اعتقدوا أنهم يستحقون بلدًا أفضل من الذي حكمتهم فيه أسرة فاسدة، مستبدة، أكثر من نصف قرن. بعد عامين تقريبًا على سقوط تلك الأسرة، وتفجّر موجة من الاحتجاجات على خلفية رفع أسعار المحروقات، وجد بعض السوريين مناسبة لطرح سؤال "هل سورية اليوم أفضل حالًا من التي ثاروا عليها؟" قد يبدو هذا السؤال مستفزًا، لكنه مشروع، ومن الخطأ التهرّب منه، أو اعتبار طرحه حنينًا إلى عهد النظام البائد. فإذا كان المعيار هو مستوى الدخل، وأسعار السلع، وتوفر الخدمات، فقد يجد بعضٌ أن حياتهم كانت بالفعل، قبل عام 2011، أفضل.

 

كان الاقتصاد أقوى، والفقر أقل، والمدارس والمستشفيات والطرق تعمل بصورة معقولة، ولم يكن ملايين السوريين موزّعين بين المنافي والمخيّمات والبيوت المدمّرة. إنكار هذا لا يخدم الثورة في شيء، بل يحوّلها إلى "دوغما" لا تسمح بمناقشة نتائجها. لكن هذه المقارنة، بحد ذاتها، مضلّلة، إذ كيف يمكن مقارنة سورية 2010 بالبلد الخارج اليوم من حرب مدمّرة، ثم نسب الفارق كله إلى قرار الثورة على الظلم والفساد. فسورية لم تدمر لأنّ سوريين خرجوا مطالبين بالكرامة، بل لأن النظام الذي خرجوا عليه قرّر أن يواجههم بالحديد والنار. لذلك؛ ليس من الانصاف السؤال عمَّ جلبته الثورة للبلد، بل ينبغي أن يُسأل أيضًا عمَّ فعله النظام لوأدها.

 

ثمّة مشكلة أخرى في استحضار سورية ما قبل 2011 باعتبارها البديل الذي كان ينبغي الحفاظ عليه. فلو كان ذلك النظام مستقرًا بالفعل، فلماذا انفجر الوضع إذًا على نحو ما خبرناه؟ نعم، كانت هناك دولة، لكنّها كانت مختطفة من سلطة فاسدة، وكانت هناك مؤسّسات، لكنها خاضعة لأجهزة الأمن، وكان هناك نمو اقتصادي، لكن ثماره صبت في جيوب القلة، وكان هناك استقرار، لكنّه قائم على الخوف. وعليه؛ لم تكن الثورة "مؤامرة" لإسقاط نظام شامخ، ناجح، كما يحاول أنصاره دائمًا تصويرها، بل خروج على فساده وظلمه.

 

لكن الأسد سقط، الآن، وانتهى، ولا يمكن معالجة كل مشكلة تواجه سورية اليوم بإلقاء المسؤولية على نظامه. قد يفسّر إرثه لماذا وصلت البلاد إلى ما وصلت إليه، لكنه لن يبرّر، بعد سنوات، فشل السلطة الجديدة في إخراجها منه، فالسوريون لم يقدّموا كل هذه التضحيات لكي يتغير اسم الرئيس، أو عائلته، أو طائفته، ولا لتحلّ نخبة مكان أخرى، أو جهاز أمني محلّ جهاز، أو احتكار اقتصادي جديد محل رأسمالية المحاسيب القديمة.

 

ولم تكن غاية الثورة أن يصبح السوري حُرًا في التعبير عن رأيه، لكنه عاجز عن إطعام أطفاله، أو أن تزول صورة الأسد من الدوائر الحكومية فيما يستمر المواطن في البحث عن واسطة لتسيير شؤونه. نجاح الثورة لا يُقاس بالنظام الذي أسقطته فحسب، بل بالنظام الذي تبنيه مكانه. لهذا ينبغي للحكم الجديد أن يأخذ السؤال المتداول بين بعض السوريين بجدية مطلقة. فعندما يقول مواطن إن "الوضع كان أفضل قبل الثورة"، لا ينبغي الرد عليه بمحاضرة عن جرائم النظام السابق... مقصد قوله، في الحقيقة، ماذا غيّر سقوط النظام في حياتي؟ هل أصبح تحصيل فرصة عمل أسهل؟ هل يستطيع إعادة بناء منزله المدمّر؟ هل يستطيع إرسال أولاده إلى مدرسة جيدة؟ هل يشعر بالأمان؟ هل كرامته مصونة؟ هل يستطيع الاعتراض من دون خوف؟ وهل يشعر بأنّ هذه الدولة دولته، بصرف النظر عن طائفته ومنطقته وانتمائه السياسي؟ هذه هي المقارنة التي ستحدّد في النهاية حكم السوريين على النظام الجديد.

 

لا ينبغي أن يكون هدف سورية الجديدة إثبات أن الأسد، ونظامه، كان مجرمًا، فاسدًا. هذه معركة حسمها التاريخ. المعركة الأهم الآن إثبات أن ما بعده أفضل. النظام السابق كان يبرّر وجوده بتخويف السوريين من البديل. النظام الجديد لا يستطيع أن يبني شرعيته، في المقابل، على مقولة "إمّا نحن وإمّا عودة الأسد". لقد انتهى الأسد، وشرعية السلطة الجديدة تقاس اليوم بما تفعله هي، لا بما فعله هو. إذا نجحت، سوف يجد السؤال عن جدوى الثورة إجابته في حياة السوريين أنفسهم، وكذلك الأمر إذا فشلت. بقي أن نقول إنّ الثورات لا تحصل لأن الناس يعرفون مسبقًا البديل، وما إذا سيكون أفضل، بل لأنهم يصلون إلى نقطة يصبح فيها الوضع القائم غير مقبول، وغير قابل للاستمرار. مسؤولية الحكم الجديد ألّا يصل الناس إلى هذه النقطة، مجدّدًا، مهما كلف الأمر.