عبد الناصر سلامة
رئيس تحرير صحيفة الأهرام الأسبق
من المهم أن نتوقف طويلًا، بالبحث والدراسة، أمام بهجة بعض الشعوب العربية، حين سقوط الصواريخ الإيرانية على القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، بل الأكثر من ذلك، بهجة شعوب البلدان التي تطالها الصواريخ، باحتفاءات الصياح والتهليل والتكبير، التي ترافق سقوط هذا الصاروخ أو تلك المسيّرة على هذه القاعدة أو تلك، في بعض الدول، ما يشير إلى أننا أمام حالة من العلاقة العبثية بين الحاكم والمواطن، لم تكن أبدًا على درجة من التوافق، حتى عندما تعلق الوضع بأدق خصوصيات الأمن القومي للبلاد والعباد.
في البداية، يجب التأكيد على أن سلامة وأمن البلاد -أي بلاد- يجب أن تكون خطًا أحمر، يجب عدم تجاوزه بأي حال، حتى وإن أساء النظام الحاكم -أي نظام- استخدام السلطة، بما يعرض أمن العباد للخطر، وهو ما يجعل من أي قصف من هنا أو هناك، بمثابة عدوان لا يغتفر، يجب التصدي له، والذود عن الوطن بكل السبل الممكنة.. هكذا تعلمنا، وهكذا يجب أن نربي أبناءنا، بمختلف طوائفهم ومعتقداتهم، منذ النشأة الأولى، ثم في كل المراحل العمرية والتعليمية.
على الرغم من ذلك، يجب أن نفهم الدوافع، ما دامت الأولويات قد اختلت في منطقتنا العربية، مع اختلال فهم الأنظمة، للاستقلال والحرية والكرامة، منذ زمن طويل، وقد اتسعت مساحة هذا الاختلال منذ ظهور البترول في المنطقة، والاستعانة بالحارس أو المستعمر الأجنبي، نتيجة فقدان الثقة في الجار المحلي، بل ربما في الشقيق، ما ساهم في ظهور المؤامرات من كل حدب وصوب، حيث المشاكل الحدودية المصطنعة تارة، وتارة أخرى أطماع التوسع واحتكار الثروات، وتارة ثالثة تلبية أوامر المستعمر، ما جعل من جغرافيا أشقاء الدم والدين واللغة مسرحًا دراميًا، هو الأكثر توترًا وقلقًا في العالم.
بهجة الصواريخ الإيرانية ليست حدثًا طارئًا، ظهر على وجوه الناس بين ليلة وضحاها، ذلك أنها حالة كامنة، انتظرت اللحظة المناسبة للظهور والانفجار، وكانت تعيها السلطات الحاكمة في كل الدول المعنية، إلا أنه الفقر الفكري، والسفه السياسي، والقصور الوطني، ما جعلنا أضحوكة أمام شعوب العالم شرقًا وغربًا، ذلك أنه كان يجب التنبه لها فورًا ومواجهتها، باتخاذ موقف جماعي في هذا الشأن، بعدما ثبت على أرض الواقع أن هذه القواعد المنتشرة في معظم دول المنطقة، لم تكن أبدًا للحماية، بقدر ما هي في حاجة إلى حماية.
نحن هنا نتحدث عن نحو 30 قاعدة عسكرية أمريكية فقط، من المحيط إلى الخليج، ومن جيبوتي إلى تركيا، بخلاف القواعد البريطانية والفرنسية والروسية والصينية، في غياب الإجابة على سؤال مهم هو: حماية الكعكة من أي منهم تحديدًا، إذا كان جميع المتصارعين يمسكون زمامها، وبقراءة التاريخ سوف يتوافقون في نهاية الأمر على تقسيهما، كلٌ حسب حجمه؟ وبعودة سريعة إلى الماضي سوف نكتشف حجم الكارثة وحجم الغباء في آن واحد، فيما بدا أننا لم نستفد أبدًا من دروس التاريخ، ولا من تقسيماتهم لجغرافيا الأشقاء في كل بلدان المنطقة دون استثناء.
الأمر بلا شك جلل، ما يجعل جلد الذات وعدم الاستسلام للواقع حالة طبيعية، على كل المستويات التعليمية والثقافية والعمرية، نتيجة ما جرى ويجري؛ صادرات النفط والغاز توقفت إلى حد كبير، الدمار طال البنية التحتية في معظم الدول، الخسائر طالت كل شيء وأي شيء؛ التبادل التجاري، أسواق المال، السياحة، الصناعة، المطارات، حركة السفر، الاحتياطي النقدي، الاستقرار، الأمن، الديون، حتى التخطيط للمستقبل لم يعد فاعلًا مع مجريات أحداث بهذه الوتيرة، التي لا يعلم أحد إلى أين تسير، وإلى أي مدى يمكن أن تتفاقم.
من المؤكد أن الكرة الآن في ملعب الأنظمة، بعد أن أصبحت الساحة مهيأة للرهان على الشعوب، وهي الحالة التي لم تتوافر من قبل، طوال نحو قرن كامل من الزمان، كانت فيه العبودية بكل أشكالها أمرًا شائعًا، ما يجعل الانتصار الآن للتحرر وللوازع الوطني أمرًا حتميًا، بلفظ وطرد الاستعمار بكل ألوانه، المباشر منه وغير المباشر، وهو انتصار في حقيقة الأمر لإرادة الشعوب، التي لم تكن أبدًا في وفاق مع هذه الحالة النشاز، التي بدت طوال الوقت معاكسة للنسق العام، وللمناهج التعليمية، وللفطرة البشرية في الوقت نفسه، ما دمنا قد ولدنا أحرارًا، في أوطان كانت مهدًا للإنسانية جملة وتفصيلًا.
الشرخ العميق في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، الذي كشفت عنه بهجة الصواريخ الإيرانية، يجعل من الأهمية بمكان بدء صياغة صفحة جديدة لحياتنا المستقبلية، تنطلق في المقام الأول من الاستقلال الحقيقي للأوطان، دون وصاية خارجية، خصوصًا من القوى المتصارعة على ثروات المنطقة، الصفحة الجديدة تنطلق أيضًا من الوحدة الجغرافية والتاريخية بين دول الجوار، بمختلف انتماءاتهم، دون عداوات، هي في الأساس لحساب قوى خارجية مغرضة، في الوقت نفسه الاتفاق على موقف موحد من العدو الصهيوني، الذي يمثل تهديدًا صريحًا لكل دول المنطقة دون استثناء، ورفض كل محاولات التطبيع معه، وفي مقدمتها ما تسمى الديانة الإبراهيمية العبثية.
الأمر الطبيعي، هو أن المسارات السياسية والعسكرية والاقتصادية، في كل بلدان المنطقة بشكلها الحالي، لن تستمر أبدًا فيما بعد الأحداث الجارية كما كانت قبلها، إلا أن الغريب في الأمر هو إصرار بعض الأنظمة على مقاومة الأمر الواقع، برفع مستوى العلاقات التجارية مع العدو الصهيوني، وإصرار أخرى على مزيد من التنسيق السياسي والأمني مع المعتدي الأمريكي، ما يعني مزيد من إثارة الشعوب في المستقبل، الأمر الذي يهدد بمزيد من التوتر، واتساع الفجوة مع هذه الأنظمة، التي لم تحسن أبدًا تقدير الأمور، حتى أصبحت بهجة الصواريخ تتجاوز القواعد الأجنبية، إلى أخرى محلية، وهي كارثة ما قبلها ولا بعدها.

