تتواصل الاستحواذات الإماراتية على قطاع الأسمدة والكيماويات في مصر، وسط مخاوف من انتقال السيطرة على صناعة ترتبط بالزراعة والطاقة والتعدين والنقل والتصدير إلى مستثمر خارجي واحد.
المسألة لم تعد صفقة منفردة، بل مسارًا متصاعدًا يضع الغذاء والعملة الصعبة والموارد الصناعية أمام سؤال حاد: من يملك القرار عندما تتركز الملكية والأرباح والموانئ في جهة واحدة؟
صفقة الخمسة مليارات تكشف خريطة الملكية
آخر الصفقات جاءت يوم الاثنين، باستحواذ شركة «ناس للاستثمارات القابضة» الإماراتية مقابل 5 مليارات جنيه على 25 بالمئة من الشركة المالية والصناعية المصرية «EFIC». وتبقى هذه النتيجة حاضرة في حسابات
تأسست «EFIC» في مايو 1929، وتنتج وتوزع سماد الفوسفات الأحادي وحامض الكبريتيك بنوعيه، كما أدرجت في البورصة المصرية منذ مارس 1996. وهو ما يفرض رقابة شعبية ورسمية.
وكانت «ميدفيرت مصر للاستثمار» تمتلك 33.03 بالمئة من الشركة، قبل بيع 25 بالمئة منها للمستثمر الإماراتي، لتصبح «ناس» صاحبة ثاني أكبر حصة بعد القابضة للصناعات المعدنية.
وتملك القابضة للصناعات المعدنية 27.6 بالمئة، بينما يملك صندوق التأمين الاجتماعي للعاملين بالقطاع الحكومي 9.3 بالمئة، وتحتفظ «ميدفيرت» بـ8.03 بالمئة. وتبقى هذه النتيجة حاضرة في حسابات
كما تمتلك السعودية المصرية للاستثمارات الصناعية 5.1 بالمئة، ما يجعل خريطة الملكية موزعة رسميًا، لكنها تمنح المستثمر الإماراتي موقعًا مؤثرًا في شركة استراتيجية. وهو ما يفرض رقابة شعبية ورسمية
وتحتل «EFIC» المرتبة 33 بين أكبر 50 شركة مصرية من حيث القيمة السوقية لعام 2026، بقيمة تبلغ نحو 462 مليون دولار. وهذا يضاعف المخاوف بشأن مستقبل القرار.
وتدير الشركة 3 مصانع، مقرها الرئيسي في التجمع الخامس بالقاهرة، بينما يقع مصنعها الرئيسي في كفر الزيات بمحافظة الغربية. وتبقى هذه النتيجة حاضرة في حسابات
ولها كذلك مصانع في منقباد بمحافظة أسيوط والعين السخنة بالسويس، بما يمنحها انتشارًا جغرافيًا داخل سلاسل الإنتاج والتخزين والتصدير. وهو ما يفرض رقابة شعبية ورسمية
حققت «EFIC» أكثر من 343 مليون جنيه أرباحًا نصف سنوية، وارتفعت إيراداتها خلال أول 9 أشهر من 2025 بنسبة 17 بالمئة إلى 163 مليون دولار.
وفي أغسطس من العام ذاته، رفعت الشركة رأس مالها المصدر بنسبة 37 بالمئة، ليصل إلى 21 مليون دولار، في خطوة تعكس توسعًا ماليًا لافتًا. وتبقى هذه النتيجة حاضرة في حسابات القضية هنا ليست دخول مستثمر جديد فقط، بل بيع حصة كبيرة في شركة تحقق أرباحًا وتملك مصانع وموارد إنتاج، بينما تتراجع ملكية الدولة تدريجيًا. وهو ما يفرض رقابة شعبية ورسمية
بيع حكومي يتزامن مع تركيز إماراتي
في 30 أغسطس الماضي، أعلنت وزارة المالية بيع ما تبقى للدولة من أسهم في 6 شركات ومصانع استراتيجية لمستثمرين إماراتيين وأجانب. وتبقى هذه النتيجة حاضرة في حسابات
شملت الصفقات «أبوقير للأسمدة» بحوالي 1.63 مليار جنيه، و«مصر لإنتاج الأسمدة» المعروفة باسم «موبكو» بنحو 1.57 مليار جنيه.
كما شملت «سيدي كرير للبتروكيماويات» بقيمة 135.3 مليون جنيه، و«أموك» بقيمة 338 مليون جنيه، دون كشف تفاصيل أخرى عن باقي الشركات. وهذا يضاعف المخاوف بشأن مستقبل القرار.
وبحسب المحلل الاقتصادي محمد النجار، تسيطر شركات ومؤسسات إماراتية على أكثر من 60 بالمئة من إنتاج الأسمدة الأزوتية في مصر. وتبقى هذه النتيجة حاضرة في حسابات
وتزداد حساسية السيطرة لأن الأسمدة قطاع مصدر للخارج، بينما يواجه الفلاحون أزمة متصاعدة مع اتجاه الدولة إلى تخفيض الدعم الموجه لهذا القطاع. وهو ما يفرض رقابة شعبية ورسمية.
وتضم الشركات الحكومية الكبرى «أبوقير للأسمدة والبتروكيماويات»، و«موبكو»، و«سيدي كرير»، و«إيثيدكو»، و«أجوريوم المصرية»، و«فيركيم مصر». وهذا يضاعف المخاوف بشأن مستقبل القرار الاقتصادي والسيادة الإنتاجية المصرية.
وتعمل هذه الكيانات في الأسمدة النيتروجينية والمخلوطة والكيماويات والبتروكيماويات والأمونيا واليوريا، وهي منتجات تدعم الزراعة والصناعة والتصدير. وتبقى هذه النتيجة حاضرة في حسابات السوق والمواطن.
ومنذ الطروحات الحكومية في 2022، استحوذت «القابضة ADQ» وصندوق أبوظبي السيادي و«أدنوك» على حصص مؤثرة في 3 شركات كبرى. وهو ما يفرض رقابة شعبية ورسمية
وتأتي الشركات الثلاث في المراتب 3 و4 و9 بين أكبر 10 شركات مصرية تصديرًا في قطاع الأسمدة والبتروكيماويات. وهذا يضاعف المخاوف بشأن مستقبل القرار الاقتصادي
في أبريل 2022، استحوذ صندوق أبوظبي السيادي عبر «ألفا أوريكس» على 21.5 بالمئة من «أبوقير» مقابل 391.9 مليون دولار. وتبقى هذه النتيجة حاضرة في حسابات
واستحوذ الصندوق أيضًا على 20 بالمئة من حصة وزارة المالية في «موبكو» مقابل 266.5 مليون دولار، بينما اشترى الصندوق السعودي 19.8 بالمئة من «أبوقير» و25 بالمئة من «موبكو».
وفي فبراير 2023، وقعت «فوسفات مصر» التابعة لوزارة البترول اتفاقية مع الإمارات لإقامة مصانع كيماويات وأسمدة فوسفاتية باستثمارات تقارب 400 مليون دولار. وهذا يضاعف المخاوف بشأن مستقبل القرار.
وتقام المصانع في مجمع الفوسفات بهضبة أبوطرطور في الوادي الجديد، حيث يوجد أكبر منجم فوسفات في مصر، ما يربط الاستثمار بالخام ومصدره.
وفي 2024، حصلت «أدنوك» مقابل 13.28 مليار درهم على حصة «أو سي آي» في «فيرتيغلوب»، لتملك 86.2 بالمئة من الشركة. وهو ما يفرض رقابة شعبية ورسمية.
وتدير «فيرتيغلوب» منشآت لإنتاج الأسمدة النيتروجينية والأمونيا في مصر والإمارات والجزائر، ما يوسع نفوذ «أدنوك» خارج السوق المحلية. وهذا يضاعف المخاوف بشأن مستقبل القرار الاقتصادي.
وفي يونيو 2025، رفعت «ناس» حصتها في «سماد مصر» إلى 51.47 بالمئة، عبر صفقة استحواذ بلغت 186.77 مليون جنيه. وتبقى هذه النتيجة حاضرة في حسابات
وتستهدف «ناس» رفع حصتها إلى 90 بالمئة في «سماد مصر»، التي تمتلك حصصًا في 5 شركات أسمدة وكيماويات ومخصبات ومشروعات زراعية. وهو ما يفرض رقابة شعبية ورسمية.
وتشمل تلك الشركات «بولي سيرف»، و«أبو زعبل»، و«مصر للأسمدة والكيماويات»، و«المصرية للاستثمارات والمشاريع الزراعية»، و«العربية للكبريت والخامات والكيماويات المصحونة». وهذا يضاعف المخاوف بشأن مستقبل القرار.
أرباح ضخمة وفاتورة يدفعها الفلاح
تطرح هذه الاستحواذات سؤالًا صارخًا حول التناقض الحكومي؛ فالدولة أنشأت مجمع الأسمدة الأزوتية في العين السخنة، لكنها تبيع حصصًا واسعة في شركات المنتجين.
وفي الوقت نفسه، تلتزم الحكومة بتوفير الأسمدة المدعومة لصغار المزارعين والفلاحين، بما يعادل نحو 3 ملايين طن سنويًا.
لكن أسعار الأسمدة ارتفعت تاريخيًا بأكثر من 300 بالمئة لبعض الأصناف منذ حضور الشركات الإماراتية في السوق خلال 2022. وتبقى هذه النتيجة حاضرة في حسابات
كان طن اليوريا الحر يتراوح بين 5 و7 آلاف جنيه، لكنه وصل خلال العام الجاري إلى ما بين 24 و35 ألف جنيه للطن.
وتفسر هذه القفزات بعوامل متعددة، بينها ارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه، وأزمات نقص الغاز المتصلة بالتوترات الإقليمية منذ 2023 وحتى اليوم.
ويرى مراقبون أن الإمارات أصبحت تمتلك اقتصادًا داخل اقتصاد الدولة، لأن شركاتها تملك مصالح متكاملة في الأسمدة والزراعة والموانئ والتصدير.
وتزرع شركات «الظاهرة» و«جنان» و«NRTC» نحو 270 ألف فدان في توشكى وشرق العوينات ووادي النطرون والصالحية والمنيا. وهو ما يفرض رقابة شعبية ورسمية على كل
كما تدعم السيطرة اللوجستية تصدير المنتجات، إذ تدير «موانئ دبي» محطة الحاويات في ميناء العين السخنة، وتملك مع «ADQ» نسبة 51 بالمئة من الإسكندرية لتداول الحاويات.
وتدير الشركة ميناء الإسكندرية، بينما وقعت «موانئ أبوظبي» عقود امتياز لتطوير وتشغيل ميناء سفاجا، ولها حضور في الغردقة وشرم الشيخ والعريش وبورسعيد والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
ويبلغ إنتاج «أبوقير» و«موبكو» و«إيجيفرت» الموجود في حوزة الشركات الإماراتية نحو 20 بالمئة من إنتاج مصر من الأسمدة. وهو ما يفرض رقابة شعبية ورسمية على
ويبلغ إنتاج مصر من الأسمدة نحو 22 مليون طن، ما يضعها في المركز الأول عربيًا والخامس عالميًا في إنتاج اليوريا. وهذا يضاعف المخاوف بشأن مستقبل القرار
وتنتج مصر نحو 7.6 ملايين طن من اليوريا سنويًا، إلى جانب 4 ملايين طن من الأسمدة الفوسفاتية، وهي أرقام تجعل القطاع أمنيًا وغذائيًا بامتياز.
وسجلت صادرات الصناعات الكيماوية والأسمدة 7.065 مليار دولار خلال أول 7 أشهر من 2026، بزيادة 25 بالمئة، تعادل 1.432 مليار دولار عن الفترة نفسها من 2025.
واستحوذ القطاع على 23.5 بالمئة من الصادرات السلعية غير البترولية، وفق بيانات الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات.
وفي 2025، حققت أكبر 10 شركات مصدرة للأسمدة 2.642 مليار دولار، بينها «موبكو» في المركز الثالث بصادرات 402 مليون دولار ونسبة 14 بالمئة.
وجاءت «أبوقير للصناعات الكيماوية» رابعة بصادرات بلغت 383 مليون دولار، وبنسبة 14 بالمئة من القطاع، ما يوضح قيمة الشركات التي تنتقل ملكيتها.
حققت «أبوقير» أرباحًا بلغت 5.76 مليار جنيه في نهاية 2025، مقابل 5.02 مليار جنيه خلال 2024، بنسبة نمو وصلت إلى 13 بالمئة.
وارتفعت إيرادات «أبوقير» إلى 13.13 مليار جنيه، ثم زاد صافي ربحها بعد الضرائب خلال النصف الأول من العام الجاري بنسبة 119 بالمئة إلى 10.01 مليار جنيه.
كما ارتفعت إيراداتها بنسبة 86 بالمئة إلى 23.52 مليار جنيه، وزادت كميات وقيم صادراتها بنسبة 31 بالمئة و79 بالمئة على الترتيب. وهو ما يفرض رقابة شعبية ورسمية
أما «موبكو»، فحققت صافي أرباح بلغ 11.3 مليار جنيه خلال 2025، وارتفعت مبيعاتها بنسبة 36.6 بالمئة إلى 26.8 مليار جنيه.
وخلال النصف الأول من العام الجاري، نمت أرباح «موبكو» بنسبة 70 بالمئة، وسجلت مبيعات بلغت 20.21 مليار جنيه وصافي ربح بعد الضريبة قدره 9.9 مليار جنيه.
وكشفت الشركة عن توزيع أرباح بقيمة 2.87 مليار جنيه، وهو ما يجعل عائدات القطاع محل صراع مالي لا مجرد إدارة صناعية.
وحققت «سماد مصر» صافي ربح بلغ 111.11 مليون جنيه في 2024، مقابل 66.42 مليون جنيه في 2023. وهذا يضاعف المخاوف بشأن مستقبل القرار الاقتصادي والسيادة
وفي النصف الأول من 2026، سجلت «سماد مصر» صافي ربح بلغ 13.80 مليون جنيه، مقابل خسائر قدرها 2.47 مليون جنيه خلال الفترة نفسها من العام السابق.
وبلغت إيراداتها ومبيعاتها المجمعة 375.60 مليون جنيه، مقابل 93.23 مليون جنيه خلال الفترة نفسها من العام الماضي. وهو ما يفرض رقابة شعبية ورسمية على كل
تعني هذه الأرقام أن المستثمرين لا يشترون شركات متعثرة، بل يدخلون قطاعات رابحة، تملك صادرات وموارد وموانئ، ثم يحصلون على توزيعات وعوائد نقدية بالعملة الصعبة.
ومع خروج الأرباح والتحويلات الأجنبية، قد يتفاقم الطلب على الدولار في السوق المحلية، ويتزايد الضغط على سعر الجنيه والحاجة إلى النقد الأجنبي.
وتستفيد الشركات الإماراتية من توزيعات الأرباح السنوية التي تقرها الجمعيات العامة، إلى جانب عائدات التصدير والميزات النسبية للتبادل التجاري.
وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة: هل تبيع الدولة أصولًا لتوفير الدولار سريعًا، ثم تفقد تدفقات أرباح مستقبلية كانت يمكن أن تدعم العملة المحلية؟ .
البيع قد يحقق حصيلة فورية، لكنه ينقل السيطرة على صناعة استراتيجية، ويجعل الفلاح والصناعة والموازنة رهائن لقرارات مالكي الأسهم الجدد.
رفض بيع حصة تصل إلى 90 بالمئة في شركة الإسكندرية لتداول الحاويات، للمرة الثانية خلال 2026، يثبت أن الحكومة تدرك خطورة بعض الأصول.
فلماذا تتشدد في الموانئ، ثم تتساهل في الأسمدة التي ترتبط بالموانئ والزراعة والطاقة والتصدير؟ هذا هو التناقض الذي يحتاج إلى إجابة لا إلى بيانات عامة.
إذا كانت الأسمدة أمنًا غذائيًا، فلا يجوز التعامل معها كأصل مالي سريع البيع، وإذا كانت سلعة تصديرية، فيجب ضمان وصول عائدها إلى الاقتصاد المحلي.
أما استمرار التوسع في البيع دون سقف للملكية أو شفافية للعقود أو ضمانات للفلاح، فيعني أن مصر قد تستيقظ على قطاع استراتيجي لا تملك قراره.
الخطر ليس في جنسية المستثمر وحدها، بل في تركز الملكية والسيطرة على الإنتاج والزراعة والموانئ والتصدير داخل شبكة واحدة.
وكلما اتسعت الشبكة، تقلصت قدرة الدولة على التفاوض، وارتفعت قدرة المستثمر على التأثير في الأسعار والكميات ومسارات التصدير.
لذلك، تحتاج الحكومة إلى نشر تفاصيل الصفقات، وشروطها، وحقوق الدولة، والتزامات المستثمرين، وآليات حماية الدعم، قبل أن يتحول البيع إلى أمر واقع.
فالاقتصاد الذي يبيع أصوله الرابحة لسداد أزمة عاجلة قد يحصل على مليارات اليوم، لكنه يترك الأجيال المقبلة أمام أرباح خرجت وقرار تآكل. وهذا يضاعف المخاوف بشأن مستقبل القرار
والفلاح الذي يواجه طن يوريا ارتفع من 5 أو 7 آلاف جنيه إلى 24 أو 35 ألفًا، لن يقتنع بأن الخصخصة انتصار اقتصادي.
المؤشرات المالية قد تبدو براقة، والصادرات قد تسجل 7.065 مليار دولار، لكن السؤال الحقيقي هو: كم يعود منها إلى مصر، وكم يخرج منها إلى المالكين؟.
الاستحواذات الإماراتية لا تستحق التصفيق التلقائي ولا الرفض العاطفي، لكنها تستحق محاسبة علنية تكشف من ربح، ومن خسر، ومن يملك القرار النهائي.
دون هذه المحاسبة، ستبقى الدولة تبيع تحت ضغط الحاجة، بينما يشتري المستثمر تحت أفضل شروط ممكنة، ويواصل المواطن دفع فاتورة الصفقة في الغذاء والدولار والدعم.
إنها ليست قصة أسمدة فقط، بل قصة اقتصاد يفرط في مفاتيح الإنتاج ثم يطلب من الناس الثقة، بينما تكشف الأرقام أن الأرباح والسيطرة تتحرك في اتجاه واحد.

