أصدرت وزارة التربية والتعليم في مصر القرار رقم 143 لسنة 2026، محددة رسوم المدارس الرسمية والرسمية المتميزة للغات للعام الدراسي 2026 و2027، لترتفع بعض المستحقات إلى 4708 جنيهات، ما أثار جدلا واسعا بين أولياء الأمور.
ويكشف القرار اتجاها متصاعدا لتحميل الأسر جزءا أكبر من تكلفة التعليم الحكومي، بينما تواجه دخولها ضغوط الغلاء والطاقة والمواصلات والطعام، لتتحول بداية العام الدراسي إلى موسم استنزاف مالي لا يراعي تفاوت قدرات المواطنين.
رسوم تتصاعد سنويا
بداية، حدد القرار مقابل الخدمات الإضافية في المدارس الرسمية للغات عند 1400 جنيه لرياض الأطفال، و800 جنيه للمرحلة الابتدائية، و900 جنيه للإعدادية، و1000 جنيه للثانوية، بخلاف الرسوم والاشتراكات وأثمان الكتب والمبالغ الأخرى المستحقة.
وبالمقارنة، ترتفع رسوم المستوى الأول لرياض الأطفال للمستجدين من 1400 جنيه خلال العام السابق إلى 1498 جنيها في العام الجديد، بزيادة قدرها 98 جنيها، نتيجة تطبيق نسبة الزيادة السنوية المقررة.
وفي المرحلة الابتدائية، تصعد الرسوم المقررة على الطلاب المستجدين بالصف الأول من 800 جنيه إلى 856 جنيها، بزيادة تبلغ 56 جنيها، قبل احتساب أثمان الكتب والرسوم والاشتراكات الإضافية التي تسددها الأسرة.
أما المرحلة الإعدادية، فتزيد رسوم الطلاب المستجدين بالصف الأول من 900 جنيه إلى 963 جنيها، بفارق 63 جنيها، بينما ترتفع في الصف الأول الثانوي من 1000 جنيه إلى 1070 جنيها.
وعلى مستوى المدارس الرسمية المتميزة للغات، ترتفع رسوم رياض الأطفال للمستجدين من 2510 جنيهات إلى 2685.70 جنيها، بما يعني زيادة قدرها 175.70 جنيها تتحملها الأسرة منذ أول خطوة للطفل داخل المدرسة.
كذلك ترتفع رسوم الصف الأول الابتدائي في المدارس المتميزة من 3075 جنيها إلى 3290.25 جنيها، بزيادة تبلغ 215.25 جنيها، في وقت تتراكم فيه تكاليف الزي والأدوات والمواصلات والدروس والكتب الخارجية.
وبالنسبة إلى المرحلة الإعدادية، ترتفع القيمة من 3640 جنيها إلى 3894.80 جنيها، بزيادة تقدر بنحو 254.80 جنيها، بينما لا يقدم القرار شرحا مفصلا للخدمات الجديدة التي تقابل هذا الارتفاع السنوي.
وفي المرحلة الثانوية، تصل رسوم الطالب المستجد إلى 4708 جنيهات بدلا من 4400 جنيه، بزيادة قدرها 308 جنيهات، لتسجل أعلى قيمة بين المراحل الواردة في جدول المدارس الرسمية المتميزة للغات.
وبحسب القرار، تطبق زيادة سنوية قدرها 7% على خدمات اللغات في المدارس الرسمية، مقابل 5% في المدارس الرسمية المتميزة، وتخصص للطلاب الجدد الملتحقين بالمستوى الأول من مرحلة رياض الأطفال.
عبء يتجاوز الأرقام
وفي هذا السياق، يرى أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس تامر شوقي أن مدارس اللغات الرسمية تمثل بديلا للأسر المتوسطة الباحثة عن تعليم جيد بتكلفة أقل من المدارس الخاصة والدولية.
ووفقا لشوقي، فإن أي زيادات مفاجئة في الرسوم أو الكتب تضيف أعباء حقيقية على الأسر، خصوصا عندما تصدر قبيل الدراسة بالتزامن مع شراء الملابس والأدوات وسداد المواصلات والدروس والمستلزمات التعليمية الأخرى.
غير أن المشكلة لا تتوقف عند نسبة 7% المعلنة، لأن القرار يلزم الأسر بسداد الرسوم والغرامات والاشتراكات والخدمات الإضافية والخدمات الأخرى وأثمان الكتب، وهو ما يجعل المبلغ النهائي أكبر من الرقم الأساسي المنشور.
إضافة إلى ذلك، ينص القرار على سداد المستحقات في حساب صندوق دعم وتمويل وإدارة وتشييد المشروعات التعليمية، عبر منافذ التحصيل الإلكتروني ومكاتب البريد، باستخدام الرقم القومي للطالب أو الكود المخصص له.
ومن ثم، يخشى أولياء الأمور أن تتحول بنود الخدمات الإضافية إلى باب دائم لرفع التكلفة، خصوصا في غياب قوائم واضحة تشرح طبيعة كل خدمة وقيمتها ومدى استفادة الطالب الفعلية منها داخل المدرسة.
وعلى صعيد تربوي، يؤكد أستاذ علم النفس التربوي بجامعة القاهرة عاصم حجازي أن تقييم أي زيادة ينبغي ألا ينفصل عن جودة الخدمة المقدمة وكفاءة المعلمين وكثافة الفصول وتوافر الأنشطة والتجهيزات التعليمية.
وبناء على ذلك، يصبح فرض رسوم أعلى دون تحسن يمكن قياسه في البيئة المدرسية محل اعتراض مشروع، لأن الأسرة لا تدفع مقابل مسمى إداري، وإنما تنتظر تعليما يبرر المبالغ المطلوبة ويحمي أبناءها من الدروس الخصوصية.
في المقابل، تعاني مدارس رسمية عديدة من كثافات مرتفعة وعجز في بعض التخصصات وضعف الصيانة والأنشطة، ما يثير سؤالا حول مصير الحصيلة المالية وما إذا كانت تعود مباشرة إلى المدارس والطلاب.
علاوة على ذلك، لا تعكس الزيادة المعلنة وحدها التكلفة الحقيقية للعام الدراسي، إذ تنفق الأسرة على الكتب الخارجية والملابس والحقائب والانتقالات والدروس، بينما تتعامل الوزارة مع المصروفات المدرسية باعتبارها بندا منفصلا عن هذه الأعباء.
مجانية تتآكل تدريجيا
ومن زاوية أخرى، يرى أستاذ المناهج بجامعة عين شمس حسن شحاتة أن التعليم يمثل حقا أساسيا وأداة لتحقيق تكافؤ الفرص، وأن أي أعباء مالية ينبغي ألا تؤدي إلى استبعاد الأطفال الأقل قدرة.
لذلك، يثير القرار مخاوف من تعميق الفوارق داخل التعليم الحكومي نفسه، عبر تقسيم الطلاب بين مدارس عربية منخفضة التكلفة ومدارس لغات أعلى رسوما، رغم أن الجانبين يتبعان الوزارة ويمولان من موارد عامة.
وبالتوازي، يسمح نظام الزيادة المتدرجة بتراكم الرسوم عاما بعد عام، حيث يسدد الطالب عند الانتقال إلى أول صف في كل مرحلة قيمة العام السابق مضافا إليها الزيادة أو القيمة المتدرجة الأعلى.
كما أن ربط المصروفات بنسبة سنوية ثابتة يعني استمرار الارتفاع تلقائيا حتى دون صدور قرار جديد يحدد كل زيادة على حدة، وهو ما ينقل عبء التضخم تدريجيا إلى الأسر تحت مسمى خدمات اللغات.
ومن جهة مقابلة، تحتاج المدارس إلى موارد لتغطية التشغيل والصيانة وشراء الوسائل التعليمية، لكن توفير هذه الموارد يظل مسؤولية الدولة قبل أن يتحول إلى التزام متزايد على أولياء الأمور داخل منظومة يفترض أنها حكومية.
وفوق ذلك، لم يربط القرار بوضوح بين الزيادة وإعفاءات اجتماعية واسعة للأسر محدودة الدخل، رغم أن تطبيق رسوم موحدة على المواطنين يتجاهل الفروق الكبيرة في دخولهم وعدد أبنائهم والتزاماتهم المعيشية.
وبالتالي، تواجه الأسرة التي تضم ثلاثة أبناء فاتورة قد تتجاوز عدة آلاف من الجنيهات قبل بدء الدراسة، ثم تضاف إليها تكلفة الكتب والزي والمواصلات، ما يدفع بعض الآباء إلى الاقتراض أو تقليص احتياجات أساسية.
وفي الوقت ذاته، تواصل الحكومة تقديم مدارس اللغات الرسمية باعتبارها مسارا متوسط التكلفة، لكن تتابع الزيادات يهدد بإخراجها تدريجيا من متناول الشرائح التي أنشئت لخدمتها، وتحويلها إلى تعليم حكومي بمصروفات شبه خاصة.
وأخيرا، تكشف الزيادة الجديدة أن أزمة التعليم لا تتعلق بالرسوم منفردة، بل بغياب معادلة عادلة تربط ما تدفعه الأسرة بالخدمة المقدمة، وتضمن ألا يصبح دخل الوالدين معيارا للحصول على تعليم حكومي أفضل.
وفي المحصلة، يضع القرار رقم 143 الأسر أمام أعباء إضافية مؤكدة، بينما يترك أسئلة الجودة والرقابة والإعفاءات بلا إجابات كافية، لتدفع الطبقة المتوسطة ومحدودو الدخل ثمن تراجع تمويل التعليم من ميزانياتهم المنهكة.

