استقبل مستشفى الزهور بمحافظة بورسعيد اليوم الأحد مصابا يبلغ 56 عاما وجثمان شخص مجهول الهوية بعد تصادم سيارة ربع نقل وأخرى نقل على الطريق الدولي الساحلي بورسعيد دمياط، وأسفر الحادث عن وفاة شخص وإصابة السائق باهر عبد القوي محمد بجروح متفرقة، بينما باشرت جهات التحقيق فحص ملابسات التصادم.
يكشف الحادث من جديد كلفة استمرار سقوط ضحايا على طرق أنفقت عليها حكومة عبد الفتاح السيسي مليارات الجنيهات تحت عنوان تطوير شبكة النقل، إذ وقع التصادم على محور ساحلي حيوي يشهد حركة للشاحنات وسيارات النقل، بينما تظل حماية مستخدمي الطريق مرتبطة بالرقابة والصيانة وضبط السرعات والحمولات قبل وقوع الحوادث وليس بعدها.
أين الرقابة على النقل الثقيل؟
وبحسب المعلومات المتاحة عن الواقعة، تحركت سيارات الإسعاف والأجهزة المعنية عقب تلقي البلاغ ووصلت إلى موقع التصادم على الطريق الدولي الساحلي، وقدمت الفرق الطبية الإسعافات الأولية للمصاب باهر عبد القوي محمد قبل نقله إلى مستشفى الزهور، حيث استكملت الأطقم الطبية الفحوصات اللازمة ووضعت حالته تحت المتابعة الطبية.
وفي الوقت نفسه، نقلت سيارات الإسعاف جثمان الضحية المجهول إلى مشرحة مستشفى الزهور تحت تصرف جهات التحقيق، وبدأت الأجهزة المختصة إجراءات تحديد هويته واستكمال الأوراق القانونية المتعلقة بالوفاة، بينما لم تعلن الجهات المختصة حتى الآن نتيجة نهائية تحدد المسؤولية عن التصادم أو الأسباب الفنية والمرورية التي سبقت وقوعه.
وقبل هذا الحادث، شهد نطاق بورسعيد خلال 2026 حوادث أخرى ارتبطت بسيارات النقل والميكروباص، بينها حادث وقع في فبراير وأسفر وفق تقارير صحفية عن سقوط عدد كبير من الضحايا، كما شهد جنوب بورسعيد خلال مايو تصادما آخر بين مركبات نتجت عنه وفيات وإصابات، بما يجعل تكرار الوقائع مسألة تتجاوز حادثا منفردا.
ويحذر المهندس جمال عسكر خبير السيارات وهندسة الطرق من اختزال حوادث الطرق في خطأ السائق وحده، إذ انتقد في تصريحات خلال يوليو 2025 إنشاء أجزاء من شبكة الطرق بتكاليف ضخمة من دون دراسات فنية كافية، وقال إن الصيانة في بعض المواقع تتحرك كرد فعل بعد ظهور المشكلات بدلا من تنفيذها وفق جداول منتظمة.
كما أشار عسكر إلى أن مشكلات الرصف والهبوط والتهالك تظهر مبكرا على بعض الطرق، وربط خطورة بعض المحاور بمرور أعداد كبيرة من سيارات النقل الثقيل عليها، وهو ما يضع مسؤولية مباشرة على الجهات الحكومية في مراقبة حالة الرصف والحمولات وتوقيتات الصيانة قبل أن تتحول العيوب أو المخالفات إلى عوامل تزيد احتمالات التصادم.
حمولات النقل والسرعة حلقات ثابتة في سجل الحوادث
ومن ناحية أخرى، يكتسب وجود سيارتي نقل في حادث بورسعيد دمياط أهمية إضافية عند مراجعة الدراسات والتصريحات المتخصصة بشأن تأثير النقل الثقيل في معدلات الحوادث، لأن الشاحنات تحتاج مسافات توقف أطول وتصبح أكثر خطورة عند تجاوز السرعة أو الحمولة القانونية، بينما يؤدي ضعف الالتزام بالحارات المخصصة إلى زيادة احتمالات الاصطدام بالمركبات الأخرى.
وفي هذا السياق، سبق للدكتور طلعت علي أستاذ الطرق والمرور بكلية الهندسة بجامعة سوهاج أن أعد تقريرا عن أسباب حوادث الطرق، وأوضح أن بيانات رسمية جرى الاستناد إليها أظهرت دورا كبيرا لمركبات النقل الثقيل والمقطورات، كما أشار إلى تأثير السرعة وعدم وجود اللوحات الإرشادية الكافية وضعف إنارة بعض الطرق.
كذلك ربط طلعت علي بين سلامة الطرق وسرعة وصول الإسعاف ومستوى الإرشادات المرورية وحالة السائق والمركبة، وهي عناصر تجعل مسؤولية منع الحوادث موزعة بين جهات الترخيص والمرور وصيانة الطرق والرقابة على المركبات، ولا تسمح للحكومة بالاكتفاء بإرجاع كل حادث بعد وقوعه إلى خطأ فردي قبل إعلان نتائج التحقيق الفني.
وعلى طريق بورسعيد دمياط تحديدا، تصبح الرقابة على مركبات النقل قضية أساسية بسبب طبيعة الطريق الدولي الساحلي وارتباطه بحركة تجارية وصناعية وموانئ ومحافظات ساحلية، وهو ما يفرض على الأجهزة المعنية مراجعة السرعات الفعلية والحمولات وحالة الإطارات والفرامل وفترات قيادة السائقين بدلا من الاكتفاء بتحرير المحاضر عقب وقوع التصادمات.
وفضلا عن ذلك، لا تكفي إزالة آثار الحادث وإعادة الحركة المرورية لاعتبار الملف منتهيا، لأن استعادة السيولة تعالج النتيجة الآنية فقط، بينما يحتاج منع التكرار إلى تحديد نقطة التصادم وظروف الرؤية وحالة سطح الطريق وسرعة المركبتين ومساراتهما وحالتهما الفنية ثم نشر ما تكشفه التحقيقات بما يسمح بمحاسبة المسؤولين عن أي تقصير.
إنفاق ضخم لا يعفي الحكومة من مسؤولية السلامة
وفي المقابل، سبق للدكتور أسامة عقيل أستاذ الطرق والمرور بكلية الهندسة جامعة عين شمس أن انتقد طريقة التعامل مع ملف حوادث الطرق، مؤكدا أن المشكلة تحتاج أساليب علمية وليس تحركات مؤقتة، كما قدر في تصريحات سابقة الخسائر الاقتصادية الضخمة الناتجة عن الحوادث وشدد على الحاجة إلى معالجة منظومة الطريق بصورة شاملة.
وبحسب عقيل، فإن التعامل العلمي مع الحوادث يبدأ من دراسة أسبابها وعدم افتراض أن العنصر البشري مسؤول وحده في جميع الوقائع، وهو طرح يكتسب أهمية مع استمرار إعلان مشروعات الطرق باعتبارها إنجازا حكوميا، لأن جودة الإنشاء لا يمكن فصلها عن جودة التشغيل والصيانة والرقابة المرورية وقدرة المنظومة على خفض الوفيات فعليا.
وبعد التصادم الأخير، باشرت الجهات المختصة التحقيق في ملابساته واتخذت الإجراءات القانونية اللازمة، بينما رفعت الأجهزة المعنية آثار المركبتين من الطريق لإعادة انتظام المرور، غير أن استمرار التحقيق يجب أن يشمل تحديد السبب المباشر للحادث بصورة واضحة حتى لا تتحول عبارة ملابسات الواقعة إلى نهاية إجرائية من دون إعلان النتائج للرأي العام.
ثم تبقى حالة المصاب باهر عبد القوي محمد تحت المتابعة داخل مستشفى الزهور بعد إصابته بجروح متفرقة، بينما ينتظر جثمان الضحية المجهول استكمال إجراءات تحديد الهوية والتصريح القانوني، ويكشف هذا الجانب الإنساني أن كل رقم يضاف إلى إحصاءات حوادث الطرق يعني أسرة تواجه إصابة أو وفاة كان واجب الدولة تقليل احتمال وقوعها.
وأخيرا، يضع حادث طريق بورسعيد دمياط الحكومة أمام مسؤولية تتجاوز الاستجابة بعد التصادم، لأن الدولة التي توسعت في الإنفاق على الطرق مطالبة بإثبات أن السلامة والصيانة والرقابة على النقل الثقيل تتحرك بالمستوى نفسه، وإلا بقيت المشروعات الضخمة عاجزة عن منع مشهد متكرر يبدأ بتصادم وينتهي بجثمان في المشرحة ومصاب داخل المستشفى.

