كشفت موازنة المتحف المصري الكبير للسنة المالية 2026/2027 وصول الإيرادات إلى 572 مليون جنيه مقابل مصروفات بالقيمة نفسها داخل المتحف بمحافظة الجيزة، بما يعني غياب أي فائض تشغيلي رغم التكلفة الضخمة للمشروع والتوقعات السابقة بعوائد استثنائية.
وفي وقت تتسع فيه أزمة الديون وتتراجع القدرة المعيشية للمواطنين، أعادت هذه الأرقام الجدل حول أولويات الإنفاق العام وجدوى المشروعات العملاقة التي استنزفت مليارات الدولارات، بينما تتراجع مخصصات الخدمات الأساسية ويزداد العبء الاقتصادي على ملايين المصريين.
وبحسب بيانات الموازنة، تبلغ إيرادات النشاط الأساسية نحو 500 مليون جنيه ناتجة عن تذاكر الدخول والفعاليات والمؤتمرات والمعارض، إضافة إلى 72 مليون جنيه تحت بند الإيرادات والأرباح الأخرى، ليصل إجمالي الإيرادات إلى 572 مليون جنيه.
كما جاءت المصروفات المتوقعة خلال العام المالي الحالي بالقيمة نفسها البالغة 572 مليون جنيه، وهو ما يعكس تعادل الإيرادات مع التكاليف دون تحقيق أرباح تشغيلية، رغم مرور أشهر على الافتتاح الرسمي للمتحف.
في المقابل، بلغت تكلفة إنشاء المتحف نحو 1.2 مليار دولار، بينها حوالي 800 مليون دولار بتمويل من وكالة التعاون الدولي اليابانية، بينما روجت تقديرات سابقة لإمكان تحقيق عوائد اقتصادية تتجاوز 2.5 مليار دولار خلال العام الأول.
لذلك أثارت الأرقام الحالية تساؤلات واسعة بشأن الفجوة بين الوعود التي صاحبت المشروع والنتائج الفعلية، خاصة مع تقديم المتحف باعتباره أكبر صرح أثري مخصص لحضارة واحدة على مستوى العالم.
غير أن الجدل لم يقتصر على ضعف الإيرادات فقط، بل امتد إلى وقائع إدارية كشفتها التحقيقات خلال الأشهر الماضية، بعدما أُعلن عن قضية تلاعب وإعادة بيع تذاكر قُدرت الأموال المختلسة فيها بنحو 4.9 مليون جنيه.
اقتصاد بلا جدوى
يرى الخبير الاقتصادي مصطفى يوسف أن المشكلة تبدأ من غياب دراسات الجدوى الحقيقية، مؤكداً أن عدداً كبيراً من المشروعات الحكومية منذ عام 2013 انطلق بقرارات تنفيذ مباشرة دون الاعتماد على تقييم اقتصادي متكامل للعائد المتوقع.
وأضاف يوسف أن المتحف ليس حالة منفصلة، بل يأتي ضمن سلسلة مشروعات ضخمة مثل توسعة قناة السويس والعاصمة الإدارية والمونوريل، معتبراً أن التركيز انصب على سرعة التنفيذ والمظهر العام أكثر من تحقيق عائد اقتصادي مستدام.
كما أوضح أن ضعف التسويق والاستثمار في تشغيل تلك المشروعات أسهم في تقليص الإيرادات، رغم امتلاكها مقومات جذب كبيرة، وهو ما انعكس بصورة واضحة على نتائج المتحف بعد أشهر من افتتاحه.
وعلى الجانب الآخر، قال الكاتب الصحفي ممدوح الولي إن تفاصيل الموازنة تكشف أن معظم الإيرادات جاءت من النشاط التقليدي للمتحف، بينما بقيت الأرباح الإضافية محدودة مقارنة بحجم الإنفاق الرأسمالي الضخم.
كذلك أشار الولي إلى أن تعادل الإيرادات مع المصروفات يعني غياب أي مساهمة فعلية للمتحف في استرداد تكلفة إنشائه أو دعم موارد الدولة، رغم ما أحيط به من حملات دعائية وتوقعات متفائلة.
علاوة على ذلك، يلفت مراقبون إلى أن استمرار هذا الأداء المالي سيجعل المشروع بحاجة إلى سنوات طويلة قبل الاقتراب من استرداد تكلفته، في حال استمرت الإيرادات عند مستوياتها الحالية.
ديون تتضخم
أكد الخبير الاقتصادي هاني توفيق أن فاتورة خدمة الديون أصبحت من أكثر المؤشرات إثارة للقلق، مشيراً إلى أن قيمة خدمة القروض تجاوزت إجمالي دخل الدولة، بما يفرض ضغوطاً متزايدة على المالية العامة.
وأوضح توفيق أن استمرار الإنفاق الضخم بالتزامن مع الاعتماد الواسع على الاقتراض يجعل الحاجة ملحة لإصلاح اقتصادي شامل يعيد ترتيب أولويات الإنفاق ويخفض أعباء الدين المتراكمة.
ومن ناحية أخرى، تستهدف الموازنة الجديدة تحصيل نحو 3.5 تريليون جنيه من الضرائب ضمن إجمالي إيرادات يبلغ 4.6 تريليون جنيه، بينما تصل مخصصات سداد الأقساط والفوائد إلى نحو 5.2 تريليون جنيه.
في الوقت نفسه، تتواصل عمليات الاقتراض الداخلي والخارجي عبر أذون الخزانة والقروض والتمويلات الدولية، بالتزامن مع استمرار الضغوط على سعر صرف الجنيه وارتفاع تكاليف خدمة الدين.
نتائج على المواطنين
يرى الكاتب الصحفي طه خليفة أن غياب العائد الاستثماري الواضح يطرح أسئلة مباشرة حول فلسفة الإنفاق على المشروعات العملاقة، متسائلاً عن الجدوى الاقتصادية التي كان يفترض أن تحققها تلك الاستثمارات.
وأشار خليفة إلى أن المشروع كان ينبغي أن يتحول إلى مركز اقتصادي وسياحي قادر على تحقيق فوائض مالية حقيقية، وليس مجرد منشأة ضخمة تكتفي بتغطية نفقاتها التشغيلية السنوية.
في المقابل، تتزامن هذه المؤشرات مع تراجع القوة الشرائية للمواطنين وارتفاع أسعار الوقود والكهرباء والخدمات، بينما تتآكل الدخول بفعل التضخم وانخفاض قيمة العملة المحلية.
وبحسب بيانات حديثة، تراجع متوسط صافي الراتب الشهري بالدولار خلال العقد الأخير بصورة ملحوظة، في وقت لا يزال ملايين العاملين في القطاع الخاص خارج نطاق التطبيق الفعلي للحد الأدنى الجديد للأجور.
ختاماً، يعيد الأداء المالي للمتحف المصري الكبير فتح النقاش حول جدوى المشروعات العملاقة الممولة بالاقتراض، وما إذا كانت قادرة على تخفيف الأعباء الاقتصادية مستقبلاً، أم أنها ستضيف التزامات جديدة تتحملها الموازنة والمواطنون.

