كشفت شكاوى سكان شارع فيصل بالجيزة استمرار انتشار النباشين على امتداد شارع يبلغ نحو 7 كيلومترات، رغم الحملات اليومية المعلنة، بما أدى إلى احتلال الأرصفة وبعثرة القمامة وتعطيل المشاة وتشويه أحد أهم محاور المحافظة.

 

ويعكس المشهد فشلا تنفيذيا متواصلا في إدارة المخلفات، إذ تكتفي أجهزة المحافظة بحملات عابرة تلتقط الصور وتصادر بعض الأدوات، ثم تترك الشارع يعود إلى الفوضى نفسها بعد ساعات قليلة من انصراف القوات.

 

وبحسب الأهالي، تتركز التجمعات قرب فيلا البدراوي ومسجد آل حمد والعشرين والطوابق والتعاون، حيث تتحول الأرصفة والجزيرة الوسطى إلى ساحات فرز مفتوحة تعوق الحركة وتفرض مشهدا مهينا على السكان وأصحاب المحال.

 

وفي التفاصيل، يمزق النباشون أكياس القمامة بحثا عن البلاستيك والمعادن، ثم يتركون بقايا الطعام والمخلفات العضوية في نهر الطريق، بما ينشر الروائح ويجذب الحشرات والقوارض ويضاعف المخاطر الصحية داخل المناطق السكنية.

 

حملات للاستهلاك الإعلامي

 

وبداية، تؤكد عودة النباشين إلى المواقع نفسها فور انتهاء الحملات أن المحافظة لا تمتلك خطة حقيقية للمواجهة، وأن ما يجري لا يتجاوز تحركات مؤقتة تستهدف تهدئة الغضب الشعبي دون إزالة أسباب الأزمة.

 

ومن جانبه، يرى ياسر عبد الله رئيس جهاز تنظيم إدارة المخلفات أن مواجهة الفرز العشوائي تحتاج منظومة تبدأ من الجمع المنظم ودمج العاملين، وهو ما يكشف غياب هذا المسار عن أداء محافظة الجيزة.

 

غير أن الأجهزة التنفيذية تكرر الأسلوب نفسه القائم على المطاردة والمصادرة، رغم ثبوت فشله، بما يهدر المال والجهد ويؤكد أن المحافظة تدير الأزمة بردود أفعال لا بسياسة واضحة أو رقابة مستمرة.

 

إضافة إلى ذلك، لا تنشر المحافظة أرقاما دقيقة عن عدد الحملات أو المخالفين أو كميات المخلفات التي جرى رفعها، ما يمنع أي تقييم جاد ويحول بياناتها الرسمية إلى دعاية بلا نتائج قابلة للقياس.

 

وعلى الرغم من كثرة الشكاوى، لم تنفذ المحافظة نظاما مستقرا للجمع السكني المباشر، وتركت أكياس القمامة في الشوارع ساعات طويلة، لتوفر بنفسها البيئة التي تسمح باستمرار نشاط النباشين واتساعه بصورة يومية.

 

ومن ثم، تتحمل المحافظة مسؤولية مباشرة عن تحويل الأرصفة إلى مخازن وفرز عشوائي، لأنها لم تغلق منافذ المخلفات من المنبع، ولم تفرض رقابة ثابتة على النقاط المعروفة التي تتكرر فيها المشكلة يوميا.

 

مخاطر تصنعها الإدارة

 

وفي هذا السياق، يهدد انتشار المخلفات المكشوفة صحة السكان، خصوصا الأطفال وكبار السن، بينما لا تقدم المحافظة خطة معلنة لمكافحة الحشرات والروائح الناتجة عن تمزيق الأكياس وبقاء النفايات العضوية أمام العقارات.

 

وبدوره، يؤكد حمدي عرفة أستاذ الإدارة المحلية أن تراكم القمامة يكشف ضعف التنسيق بين الأحياء وهيئات النظافة، وهو توصيف ينطبق بوضوح على شارع فيصل الذي تحول إلى مثال دائم على الفشل المحلي.

 

كذلك، تستخدم مجموعات الفرز تروسيكلات وعربات كارو وتوك توك غير منضبطة، تسير أحيانا عكس الاتجاه أو تتوقف فجأة، بينما تعجز الأجهزة المرورية عن منعها رغم وجودها اليومي في مناطق معلومة.

 

وفي المقابل، يحذر حسن مهدي أستاذ هندسة الطرق من خطورة المركبات البطيئة والمتوقفة عشوائيا داخل المحاور المزدحمة، وهو ما يجعل استمرارها في فيصل دليلا جديدا على غياب السيطرة المرورية الفعلية.

 

وفوق ذلك، يجبر احتلال الأرصفة المشاة على النزول إلى نهر الطريق، بما يعرضهم لخطر الدهس يوميا، بينما تكتفي الجهات المسؤولة بمصادرة متقطعة لا تحمي حق السكان في المرور الآمن.

 

وبالتالي، لا يمكن فصل أزمة النباشين عن الإهمال المروري والنظافة المتدهورة، لأن الجهتين تعملان داخل المشهد نفسه، وكلتاهما تتركان المخالفات تتكرر يوميا رغم وضوح مواقعها وأوقاتها ووسائل النقل المستخدمة فيها.

 

إلى جانب ذلك، يقع الشارع قرب الأهرامات وميدان الرماية والمتحف المصري الكبير، لكن المحافظة تركت هذا المدخل الحيوي يغرق في القمامة والفوضى، بما يكشف انفصال الخطاب الرسمي عن الواقع اليومي للسكان والزوار.

 

حلول مؤجلة عمدا

 

وبناء على ذلك، يبدأ الحل الحقيقي بفرض جمع مباشر ومنتظم للقمامة والمخلفات من المنازل والمحال، ومنع ترك الأكياس في الجزيرة الوسطى، لكن المحافظة لم تطبق هذا الإجراء رغم تكرار الشكاوى واتساع حجم الضرر.

 

وعلاوة على ذلك، يجب إنشاء نقاط تجميع مغلقة ورقابة بالكاميرات ودوريات ليلية، غير أن غياب هذه الأدوات يوضح أن المحافظة تفضل الحلول الشكلية لأنها أقل كلفة من إصلاح المنظومة نفسها.

 

أما مطاردة الفقراء وحدهم، فتخفي مسؤولية الجهات التي سمحت بتراكم القمامة وغياب الحاويات وتعطل الجمع المنتظم، وتحول العاملين الهامشيين إلى شماعة تغطي بها الإدارة المحلية فشلها الممتد في إدارة الشارع.

 

وفي الوقت نفسه، ينبغي محاسبة المحال والمنشآت التي تسلم مخلفاتها لوسطاء غير مرخصين، لكن المحافظة لم تعلن قائمة بالمخالفين أو الغرامات، ما يعزز الشكوك حول جدية الرقابة وتساوي تطبيق القانون.

 

ومن ناحية أخرى، تحتاج الأزمة إلى خطة تدمج العاملين في جمع المخلفات داخل منظومة مرخصة، لكن تجاهل هذا الخيار أبقى النباشين خارج القانون وضمن استمرار دورة المطاردة والعودة والفوضى اليومية.

 

وبالمثل، يتطلب الأمر نشر تقارير أسبوعية عن النقاط التي جرى تأمينها ومعدلات عودة الظاهرة، إلا أن المحافظة تحجب هذه البيانات وتكتفي بصور الحملات، بما يمنع السكان من محاسبتها على نتائجها الحقيقية.

 

لذلك، لم تعد الأزمة مجرد مخالفة فردية، بل أصبحت دليلا على انهيار منظومة النظافة المحلية، وفشل المحافظة في حماية شارع رئيسي رغم ميزانياتها وأجهزتها وحملاتها المتكررة التي لم تغير شيئا ملموسا.

 

وفي المحصلة، يدفع سكان فيصل ثمن إدارة محلية تلاحق المشهد ولا تعالج أسبابه، وتستخدم الحملات كغطاء إعلامي بينما تظل الأرصفة محتلة والقمامة مبعثرة والمرور مختنقا والخطر الصحي قائما بلا توقف.

 

وأخيرا، ستبقى الأزمة قائمة ما دامت محافظة الجيزة ترفض تحمل مسؤوليتها الكاملة، وتستبدل التخطيط بالمطاردة، والرقابة بالبيانات، والحلول الجذرية بصور يومية لا تمنع النباشين من العودة إلى الشارع نفسه مجددا.