كشفت وزارة الدفاع التركية، خلال أول زيارة رسمية لوزير الدفاع المصري أشرف سالم زاهر إلى أنقرة، عن توقيع خطاب نوايا للتعاون الدفاعي بعد قطيعة استمرت 12 عاماً، ما أثار قلقاً إسرائيلياً واسعاً.

 

سياسياً، يكشف الضجيج الإسرائيلي كيف توظف حكومة بنيامين نتنياهو المخاوف الأمنية لصناعة عدو جديد أمام الداخل، بينما تتحول العلاقات الطبيعية بين دولتين إقليميتين إلى مادة انتخابية تخدم سلطة مأزومة تبحث عن البقاء.

 

تعاون يتجاوز المصالحة

 

وفي مستهل التحرك، وصل وزير الدفاع المصري إلى تركيا على رأس وفد عسكري رفيع، بدعوة رسمية من نظيره يشار غولر، لإجراء محادثات تستهدف توسيع التعاون بين القوات المسلحة في مجالات متعددة.

 

وبحسب وزارة الدفاع التركية، عقد الوزيران اجتماعاً في أنقرة وتفقدا هياكل طائرات مسيرة، قبل توقيع خطاب نوايا يفتح الباب أمام تعاون أوسع في الصناعات الدفاعية والتدريب وتبادل الخبرات العسكرية مستقبلاً.

 

ومن جهة أخرى، قال السفير التركي في القاهرة صالح موتلو شن إن العلاقات العسكرية والأمنية تسير بصورة جيدة جداً، مؤكداً أن التقارب بين الجيشين يمكن أن يدعم الاستقرار الإقليمي والدولي.

 

كما سبقت الزيارة خطوة مماثلة لرئيس أركان الجيش المصري أحمد خليفة في مايو الماضي، حيث التقى نظيره التركي متين غوراك ضمن الاجتماع الرابع للجنة العسكرية المشتركة بين البلدين لتوسيع التنسيق المؤسسي.

 

وفي السياق نفسه، بحث الجانبان تطوير التعاون في التدريب وتبادل الخبرات، بما يؤكد أن الزيارة الحالية ليست حدثاً منفصلاً، بل حلقة في مسار مؤسسي متصاعد بدأ منذ استعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة.

 

وعلاوة على ذلك، استأنفت مصر وتركيا مناورات بحر الصداقة في سبتمبر الماضي بعد توقف دام 12 عاماً، بما أعاد الاتصال العملياتي المباشر بين البحريتين ووسع مجالات التنسيق العسكري والتدريب المشترك.

 

وبالتوازي، اتفق البلدان على التعاون في تصنيع الطائرات المسيرة، ووقّعا في أغسطس 2025 اتفاقاً للإنتاج المشترك لطائرات ذات إقلاع وهبوط عمودي، ضمن توجه واضح لتوطين التكنولوجيا الدفاعية وتطوير القدرات المحلية.

 

ومن ثم، لم يعد التقارب مقتصراً على المصالحة السياسية وتبادل الزيارات الرئاسية، بل انتقل إلى بناء مصالح عسكرية واقتصادية متشابكة يمكنها إعادة ترتيب موازين القوة في شرق المتوسط والمنطقة خلال السنوات المقبلة.

 

قلق إسرائيلي متصاعد

 

غير أن منصة ناتسيف نت العبرية زعمت وجود جسر جوي تركي ينقل طائرات مسيرة هجومية متطورة إلى قاعدة غرب العوينات، انطلاقاً من مركز إنتاج طائرات بيرقدار داخل تركيا بصورة منتظمة.

 

وفي المقابل، لم تقدم المنصة الإسرائيلية أدلة مستقلة تدعم روايتها، واكتفت بربط الزيارات العسكرية والتصنيع المشترك بما وصفته تعميقاً للتعاون في ظل تدخل القاهرة وأنقرة في أزمات إقليمية متشابكة ومتعددة.

 

ولزيادة القلق، أعادت صحيفة معاريف في يونيو الماضي نشر مزاعم عن نشاط عسكري غير عادي بين مصر وتركيا، قالت إنه قد يشمل صفقات أسلحة قادرة على تغيير موازين القوى الإقليمية.

 

وقبل ذلك، حذر الجنرال الإسرائيلي المتقاعد إسحاق بريك من احتمال دخول تل أبيب في حرب صعبة ضد ما سماه التحالف المصري التركي، مطالباً بإعادة تقييم العقيدة العسكرية والاستراتيجيات الدفاعية بصورة شاملة.

 

وبناءً على ذلك، تبدو المؤسسات الإعلامية والعسكرية الإسرائيلية منشغلة بتحويل كل خطوة تعاون إلى سيناريو تهديد، رغم أن الجانبين المصري والتركي يصفان علاقتهما بالتعاون لا بالتحالف الملزم أو الجبهة الهجومية.

 

ومن ناحية أخرى، يميز الخبير العسكري أسامة كبير بين التعاون والتحالف، موضحاً أن التدريبات المشتركة والتصنيع وتبادل الملحقين والتنسيق السياسي لا تعني التزام الدولتين بخوض حروب مشتركة ضد أطراف أخرى.

 

كذلك يرى كبير أن التقارب ضروري بسبب الثقل السياسي والعسكري والتاريخي لمصر وتركيا، وأن تعزيز التنسيق بينهما يمكن أن يدعم الأمن الإقليمي بدلاً من أن يشكل خطراً تلقائياً على دول الجوار.

 

أما الانضمام المصري إلى برنامج الطائرة الشبحية التركية كآن، فيعكس مستوى متقدماً من الثقة والتخطيط بعيد المدى، ويفتح الباب أمام مشاركة تقنية وصناعية تتجاوز صفقات الشراء التقليدية للأسلحة الجاهزة والمستوردة.

 

وفوق ذلك، وقعت القاهرة وأنقرة في فبراير الماضي اتفاقية تعاون عسكري بحضور عبد الفتاح السيسي ورجب طيب أردوغان، بما منح المسار الجديد غطاء سياسياً مباشراً من أعلى مستوى في الدولتين.

 

انتخابات تصنع الخطر

 

وعلى صعيد الداخل الإسرائيلي، يربط أسامة كبير تصاعد المزاعم بقرب الانتخابات المرتقبة في أكتوبر، مع حاجة حكومة نتنياهو إلى قضايا أمنية تثير الخوف وتعيد تعبئة الناخبين حول بقائها في الحكم.

 

ولهذا، يعتبر الخبير أن الحديث عن خطر مصري تركي موجه للاستهلاك المحلي، ويهدف إلى خلق تهديد وهمي يحرك الرأي العام ويمنح الحكومة الحالية فرصة إضافية للبقاء في السلطة وتجنب السقوط.

 

وفي ضوء ذلك، يمكن فهم توقيت التقارير العبرية باعتباره جزءاً من حملة سياسية لا قراءة عسكرية محايدة، خصوصاً مع غياب دليل معلن على قيام تحالف هجومي يستهدف إسرائيل بصورة مباشرة.

 

وبالمثل، تستفيد حكومة نتنياهو من تضخيم المخاوف الخارجية كلما اشتدت أزماتها الداخلية، فتقدم نفسها حارساً وحيداً للأمن، وتدفع النقاش بعيداً عن مسؤوليتها عن الحروب والانقسام والضغوط الاقتصادية المتفاقمة داخل إسرائيل.

 

وعلى هذا الأساس، يتوقع كبير استمرار الادعاءات حتى انتهاء الانتخابات، مرجحاً تراجعها إذا سقطت حكومة نتنياهو، وهو تقدير يربط الرواية الأمنية مباشرة بمصالح الحكم والحسابات الحزبية الداخلية الضيقة والمؤقتة جداً.

 

إضافة إلى ذلك، فإن تصوير التعاون المصري التركي كخطر وجودي يتجاهل أن الدولتين أعلنتا مراراً أن هدف التنسيق هو دعم الاستقرار، وتطوير قدراتهما الدفاعية، والتعامل مع أزمات المنطقة بفاعلية أكبر.

 

وفي المحصلة، يكشف القلق الإسرائيلي أن استعادة العلاقات بين القاهرة وأنقرة تجاوزت مرحلة المصالحة الرمزية، وأصبحت شراكة عسكرية متنامية تفرض على تل أبيب إعادة حساباتها بعيداً عن احتكار التفوق الإقليمي.

 

وأخيراً، يبقى الاختبار الحقيقي في قدرة مصر وتركيا على تحويل التعاون إلى مشروع مستقل يخدم مصالح شعبيهما، لا إلى ورقة مساومة إقليمية، بينما يستمر نتنياهو في استخدام الخوف ستاراً لأزماته.