أقر مجلس الأمن والدفاع السوداني برئاسة عبد الفتاح البرهان الرد الرسمي على ورقة دول الوساطة بشأن وقف الحرب، معلنًا من الخرطوم مواصلة التعاطي مع المبادرات، وسط انقسام سياسي وكارثة إنسانية تضرب ملايين السودانيين.
ويكشف هذا التطور مفارقة قاسية، فبينما تتبادل السلطة والوسطاء الأوراق والتصريحات، يواجه الأطفال الجوع والموت، وتبحث آلاف الأسر عن مفقوديها، فيما تستمر الحرب التي أشعلها صراع الجنرالين على السلطة ومؤسسات الدولة.
مبادرة تحت شروط الجيش
وبحسب بيان المجلس، ناقش الاجتماع المقترحات المقدمة من الوسطاء، وأقر ردًا وصفه بالتوافقي، مؤكدًا أن إدارة ملفات الحرب والسلام والتفاوض تظل من اختصاص مؤسسات الدولة التي يقودها الجيش بقيادة البرهان.
وفي المقابل، ربط المجلس قبول أي مبادرة بالحفاظ على سيادة السودان ووحدة أراضيه وتطلعات شعبه، وهي صياغة تبدو مبدئية، لكنها تترك مساحة واسعة لتفسير الشروط وتأجيل التفاوض واستمرار العمليات العسكرية.
كما نفى المجلس التسريبات المتداولة بشأن مضمون الرد ومسار المفاوضات، وطالب بعدم نشر معلومات تمس الأمن الوطني، من دون كشف تفاصيل الورقة أو توضيح النقاط المقبولة والمرفوضة أمام السودانيين المتضررين من الحرب.
وفي السياق نفسه، جاءت الخطوة بعد مقترحات أمريكية تضمنت خمسة محاور للتسوية، ولقاء جمع عضو مجلس السيادة شمس الدين كباشي بالمبعوث الأمريكي في القاهرة لمناقشة آفاق الحل السياسي ووقف القتال.
ومع ذلك، أكد البرهان سابقًا أن قبول المبادرات مرهون بإرادة الشعب وموافقة مؤسسات الدولة، بالتزامن مع إصراره على مواصلة العمليات العسكرية، ما يعكس ازدواجًا بين إعلان الانفتاح على السلام والاستمرار في منطق الحسم بالقوة.
ومن ناحية أخرى، رفضت قوى مؤيدة للجيش المبادرة الأمريكية باعتبارها لا تحقق متطلبات إنهاء الحرب، بينما رحبت بها قوى الحرية والتغيير ورأت فيها خطوة إيجابية يمكن البناء عليها لإحياء مسار سياسي متوقف.
وبالتالي، يظل الخلاف الحقيقي متعلقًا بمن يملك سلطة تحديد شروط السلام، وهل تعكس مؤسسات الحرب إرادة السودانيين فعلًا، أم تستخدم الحديث عن السيادة لتثبيت مواقع أطراف مسلحة شاركت في تقويض الانتقال المدني.
وعلاوة على ذلك، فإن البرهان وحميدتي كانا حليفين في انقلاب 2021 على الحكومة المدنية الانتقالية، قبل أن ينقلب تحالفهما إلى حرب دامية بسبب الخلاف على دمج قوات الدعم السريع داخل الجيش.
ومن ثم، لا يستطيع الطرفان تقديم نفسيهما كمنقذين للسودان من أزمة هبطت عليه من الخارج، لأن الصراع الحالي خرج من قلب تحالف عسكري أطاح المسار المدني ثم تنازع على قيادة الدولة والسلاح.
الجوع يطارد الملايين
وحذرت الأمم المتحدة من أن 19.5 مليون سوداني، أي نحو اثنين من كل خمسة أشخاص، يواجهون مستويات الأزمة أو ما هو أشد من انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال موسم الشح.
كذلك، توقعت الأمم المتحدة معاناة 825 ألف طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد الوخيم خلال 2026، بما يعرضهم لخطر الوفاة إذا لم يحصلوا على العلاج والغذاء والرعاية في الوقت المناسب.
وفوق ذلك، تجاوز سوء التغذية عتبات المجاعة في بعض مناطق شمال دارفور، بينما تواجه 14 منطقة في شمال وجنوب دارفور وجنوب كردفان خطر المجاعة إذا استمر القتال وتعطلت المساعدات وحركة السلع.
وفي الأبيض، كثفت الطائرات المسيّرة ضرباتها منذ مطلع يونيو، ما أدى إلى سقوط مدنيين وعاملين إنسانيين، وإلحاق أضرار بالمنازل والمدارس والمرافق الصحية ومحطات الوقود ومواقع النزوح وشبكات الكهرباء.
ولذلك، يواجه أكثر من 100 ألف نازح داخل الأبيض ومحيطها خطرًا مباشرًا، بينما يحتاج نحو 800 ألف شخص في محلية شيكان إلى مساعدات عاجلة مع تزايد نقص الوقود والمياه والغذاء.
وبالتوازي، يهدد تعطيل الطرق المؤدية إلى الأبيض ومنها بإغلاق أحد أهم مراكز العمليات الإنسانية في كردفان، ورفع أسعار الغذاء والمياه والمدخلات الزراعية وتأخير وصول الأدوية واللقاحات إلى المجتمعات الأشد ضعفًا.
أما الأطفال في شمال دارفور وكردفان، فيواجهون مزيجًا قاتلًا من الجوع والعطش والمرض والنزوح والانفصال عن الأسر، بينما تحد القيود الأمنية من وصول المنظمات إليهم وتترك الأكثر ضعفًا دون دعم منقذ للحياة.
إضافة إلى ذلك، يحتاج أكثر من 33 مليون شخص في السودان إلى المساعدة، بينهم 21 مليونًا يحتاجون خدمات صحية، ما يجعل البلاد أكبر أزمة إنسانية في العالم بحسب التقديرات الواردة.
وفي الوقت ذاته، تهدد مخلفات الذخائر المتفجرة أكثر من 4 ملايين شخص عادوا إلى مناطق شهدت قتالًا، حيث تنتشر القنابل غير المنفجرة والقذائف والصواريخ والألغام داخل الأحياء والطرق والأراضي الزراعية.
وبالأخص، لم تتمكن فرق المسح والتطهير من تأمين سوى أقل من 1 بالمئة من مساحة الخرطوم، رغم عودة السكان إلى أحياء خاضت معارك طويلة وتحولت منازلها وشوارعها إلى حقول موت مؤجلة.
كما سجلت الأمم المتحدة خلال 2026 نحو 27 حادثًا مرتبطًا بالذخائر المتفجرة أسفرت عن 86 ضحية، نصفهم من الأطفال، رغم إزالة أكثر من 22 ألف قطعة خطرة وتأمين 6 ملايين متر مربع.
مفقودون ومحاكمات غيابية
وعلى صعيد آخر، أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن عدد المفقودين المسجلين منذ بداية الحرب تجاوز 11 ألف شخص، مع ترجيح أن يكون العدد الحقيقي أكبر بسبب الخوف وصعوبة الإبلاغ وانهيار الاتصالات.
وفي هذا الإطار، تلقت اللجنة خلال عام واحد 1682 طلب بحث من داخل السودان و2200 طلب من الخارج، لكنها لم تستطع توفير معلومات إلا عن 846 مفقودًا، ما يكشف اتساع المأساة.
وبصورة أشد قسوة، تجاوز عدد النساء المفقودات 600 امرأة، بينما تخشى أسر كثيرة الإبلاغ عن بناتها بسبب الوصمة الاجتماعية، تاركات خلفهن أطفالًا لا يعرفون إن كانت أمهاتهم أحياء أو محتجزات.
كذلك، وقعت عائلات كثيرة ضحية الابتزاز المالي، بعدما تلقت مكالمات من أشخاص يزعمون احتجاز أقاربها ويطلبون فدية مقابل الإفراج عنهم، مهددين بقتلهم إذا لم تستجب الأسر لمطالبهم.
وفي المقابل، أصدرت محكمة سودانية حكمًا غيابيًا بإعدام محمد حمدان دقلو وشقيقيه وآخرين، بعد اتهامهم بقتل والي غرب دارفور وآلاف المدنيين في الجنينة وارتكاب جرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية.
وبناءً على الحكم، وُجهت مخاطبات إلى الشرطة الدولية لتسليم المدانين، بينما تنفي قوات الدعم السريع مسؤوليتها عن الإبادة، رغم الاتهامات المتعلقة بمقتل ما بين 10 آلاف و15 ألف شخص في الجنينة.
وأخيرًا، تكشف صورة السودان الحالية أن أوراق السلام لا تكفي وحدها، فالحرب أنتجت جوعًا ومفقودين وأحكام إعدام وبلدًا ممزقًا، ولن تنتهي المأساة من دون وقف القتال ومحاسبة المسؤولين واستعادة المسار المدني.

