واصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الاثنين، عمليات القتل والقصف والاقتحام في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس المحتلة، في مشهد واحد تتوزع فيه أدوات العدوان بين الغارات الجوية والمدفعية والرصاص الحي والاعتقالات وهجمات المستوطنين وتجريف الأراضي. واستشهد فلسطيني في قصف استهدف منزلًا بمخيم المغازي وسط قطاع غزة، بينما أعلنت وزارة الصحة وصول 8 شهداء و32 مصابًا إلى مستشفيات القطاع خلال 24 ساعة، في وقت استشهد فيه الشاب نصر زعل كعابنة برصاص الاحتلال قرب جدار الفصل العنصري في بلدة بير نبالا شمال غرب القدس.

 

وتكشف الوقائع المتزامنة أن العدوان الإسرائيلي لم يتوقف عند حدود قطاع غزة، بل يمتد إلى الضفة الغربية ضمن سياسة متكاملة تقوم على القتل والتهجير ومحاصرة التجمعات الفلسطينية وفتح الطريق أمام الاستيطان. ففي غزة يواصل الاحتلال خرق اتفاق وقف إطلاق النار بالقصف والنسف ومنع المساعدات، بينما تتعرض الضفة لاقتحامات واعتقالات وتجريف أراضٍ وإقامة بؤر استيطانية جديدة واعتداءات متكررة على المزارعين والسكان، بما يجعل الفلسطينيين أمام حرب شاملة تستهدف حياتهم وأرضهم وحقهم في البقاء.

 

 

غزة تحت القصف المستمر

 

استشهد مواطن فلسطيني فجر الاثنين إثر قصف طائرات الاحتلال منزلًا في مخيم المغازي وسط قطاع غزة، بحسب مصادر طبية نقلتها وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية. وجاء القصف ضمن سلسلة هجمات طالت مناطق مختلفة من القطاع، في استمرار واضح للعمليات العسكرية رغم الحديث عن وقف إطلاق النار.

 

وقصفت مدفعية الاحتلال المناطق الشرقية لمدينة دير البلح وسط القطاع، كما استهدفت المناطق الشرقية لمدينة غزة، في حين أطلقت طائرات مسيرة إسرائيلية من طراز كواد كوبتر نيرانها بكثافة باتجاه منازل المواطنين قرب شارع صلاح الدين شرقي المدينة.

 

وتزامنت هذه الهجمات مع عمليات نسف واسعة نفذها جيش الاحتلال في المناطق الشرقية لمدينتي خان يونس وغزة، خصوصًا في حيي الشجاعية والتفاح، حيث استمر استخدام القوات الجوية والبرية والبحرية في استهداف الأحياء والمناطق القريبة من ما يعرف بالخط الأصفر.

 

كما طالت الاعتداءات الصيادين الفلسطينيين في عرض البحر، وأصيب 3 منهم بنيران الاحتلال، في مؤشر على اتساع دائرة الاستهداف لتشمل من يحاولون تأمين قوت أسرهم في ظل الحصار والقيود المفروضة على دخول البضائع والمساعدات الإنسانية.

 

وأعلنت وزارة الصحة في قطاع غزة وصول 8 شهداء و32 مصابًا إلى المستشفيات خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، موضحة أن الحصيلة شملت 7 شهداء جدد وشهيدًا توفي متأثرًا بجراحه، بينما لا يزال عدد من الضحايا تحت الأنقاض وفي الطرقات بسبب تعذر وصول طواقم الإسعاف والدفاع المدني إليهم.

 

وأشارت البيانات الواردة إلى ارتفاع عدد الشهداء منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي إلى أكثر من 1100 شهيد، مع تسجيل ما يزيد على 3500 مصاب وانتشال 800 جثمان، رغم وجود تباين محدود بين الأرقام المنشورة بشأن تاريخ بدء وقف إطلاق النار والحصيلة الدقيقة للضحايا.

 

أما الحصيلة التراكمية منذ 7 أكتوبر 2023، فقد ارتفعت وفق أحدث الأرقام الواردة في البيانات إلى 73,231 شهيدًا و173,686 مصابًا، وهي أرقام تعكس الكلفة البشرية الهائلة للحرب الإسرائيلية المستمرة على القطاع.

 

ولا تكشف هذه الأرقام وحدها حجم المأساة، إذ يعيش غالبية سكان القطاع في ظروف إنسانية شديدة القسوة، وسط الدمار الواسع ونقص الغذاء والدواء والمياه، واستمرار القيود على حركة المساعدات والسفر، بالتزامن مع قصف أماكن النازحين وتدمير ما تبقى من البنية التحتية.

 

 

القدس والضفة في مرمى الرصاص

 

في الضفة الغربية، استشهد الشاب نصر زعل كعابنة، البالغ من العمر 20 عامًا، برصاص قوات الاحتلال قرب جدار الفصل العنصري المقام على أراضي بلدة بير نبالا شمال غرب القدس.

 

وأعلن الهلال الأحمر الفلسطيني أن طواقمه تسلمت جثمان الشهيد ونقلته إلى المستشفى، فيما أكد المشرف العام لمنظمة البيدر الحقوقية حسن مليحات أن استهداف المدنيين الفلسطينيين بالرصاص الحي يمثل انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي الإنساني، داعيًا إلى تحقيق مستقل ومحاسبة المسؤولين.

 

وبالتزامن مع الجريمة، نفذت قوات الاحتلال حملة اقتحامات واعتقالات واسعة شملت مناطق متعددة من الضفة الغربية والقدس المحتلتين. ففي بيت لحم داهمت القوات منزلًا في منطقة واد معالي، بينما اقتحمت بلدتي جبع وميثلون جنوب جنين وفتشت عددًا من المنازل.

 

وفي رام الله والبيرة، شملت الاقتحامات بلدات ترمسعيا وكفر مالك ودير عمار، إضافة إلى وسط مدينة رام الله وحي الطيرة. كما هاجم مستوطنون قرية برقا شرق رام الله وحاولوا سرقة أغنام أحد المزارعين، وأغلقوا بالحجارة الطريق المؤدي إلى عائلة أبو عواد في ترمسعيا.

 

وفي نابلس، اعتقلت قوات الاحتلال الشاب معتز جاسر أبو حمادة أثناء مروره عبر حاجز زعترة، واقتحمت مخيم بلاطة وداهمت منازل عدة قبل اعتقال الشاب باسل اشتيوي. كما اقتحم مئات المستوطنين بلدة عورتا جنوب نابلس وأدوا طقوسًا تلمودية في المقامات الإسلامية بحماية جيش الاحتلال.

 

وفي الخليل، اقتحمت القوات بلدة الشيوخ وداهمت عددًا من المنازل واعتقلت الشاب إسلام عمر، بينما تعرضت عائلة المسن إبراهيم إسماعيل الجبور في منطقة حوارة شرق يطا للاحتجاز وتكسير محتويات منزلها ومصادرة هواتفها.

 

وكان المسن ونجلاه يوسف وخليل قد اعتقلوا قبل ذلك عقب اعتداء مستوطنين على العائلة، ثم أفرج عنهم في ساعة متأخرة من الليل، قبل أن تستمر المضايقات حول مسكنهم وإطلاق المستوطنين مواشيهم في محيطه.

 

كما اقتحمت قوات الاحتلال شارع القدس في مدينة أريحا، بينما واصل المستوطنون اعتداءاتهم على المزارعين في بلدة تياسير شرق طوباس، وحاولوا إجبارهم على مغادرة أراضيهم، في إطار سياسة ضغط متواصلة على الفلسطينيين في المناطق الزراعية والرعوية.

 

 

استيطان يطارد التجمعات الفلسطينية

 

تتجاوز الاعتداءات اليومية حدود القتل والاعتقال إلى سياسة أوسع تستهدف اقتلاع الفلسطينيين من أراضيهم، خصوصًا في المنطقة ج التي تشكل أكثر من 60 بالمئة من مساحة الضفة الغربية.

 

وأكد تقرير لمنظمة العفو الدولية أن سياسات الاستيطان الإسرائيلية تسببت في تهجير واسع للتجمعات البدوية والرعوية، وأن الانتهاكات المرتكبة قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى توسيع السيطرة الإسرائيلية.

 

وحمل التقرير عنوان محو كل ما هو فلسطيني، ووثق بحسب المنظمة تهجير آلاف الفلسطينيين بفعل اعتداءات المستوطنين والاستيلاء على الأراضي وهدم المنازل وفرض القيود على وصول الأهالي إلى ممتلكاتهم ومصادر رزقهم.

 

وقالت صوفيا بولصنام، عضو منظمة العفو الدولية ومعدة التقرير، إن إسرائيل تمارس تطهيرًا عرقيًا ضد الفلسطينيين والفلسطينيات، وإن التقرير استند إلى تحقيقات ميدانية وتحليل قانوني وأدلة تتعلق بالسياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية والمجازر الدموية في غزة.

 

وتتجسد هذه السياسة في تجمع حلق الرمانة غرب أريحا، حيث اقتحم مستوطنون المنطقة وشرعوا في إقامة بؤرة استيطانية جديدة قرب الطريق الوحيد المؤدي إلى التجمع، ما يهدد بعزل السكان وحرمانهم من الوصول إلى منازلهم ومراعيهم والخدمات الأساسية.

 

وأوضح حسن مليحات أن التجمع يتعرض منذ أكثر من عام لسلسلة من الاعتداءات تشمل الاقتحامات واستهداف الممتلكات والتضييق على السكان، بهدف دفعهم إلى مغادرة المنطقة وإخلائها لمصلحة التوسع الاستيطاني.

 

كما شرع مستوطنون في إقامة بؤرة جديدة على أراضي الفلسطينيين في منطقة عين الديوك غرب أريحا، في حين واصلت جرافات الاحتلال تجريف مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في قريتي خربثا بني حارث ودير قديس غرب رام الله.

 

وتثير عمليات التجريف مخاوف من مصادرة المزيد من الأراضي أو شق طرق تخدم المستوطنات، بما يهدد مصادر رزق المزارعين ويعزز السيطرة الإسرائيلية على المساحات الزراعية الفلسطينية.

 

وتكشف الوقائع في غزة والضفة والقدس أن ما يجري ليس سلسلة حوادث منفصلة، بل مسار واحد يجمع بين القصف والقتل والاعتقال والاستيطان والتهجير. ففي القطاع يجري تدمير المنازل ومنع النازحين من الأمان، وفي الضفة تُصادر الأراضي وتُحاصر التجمعات ويُفتح المجال للمستوطنين تحت حماية الجيش.

 

وبينما تتصاعد أعداد الشهداء والمصابين، تظل المحاسبة الدولية غائبة، ما يسمح للاحتلال بمواصلة سياساته من دون رادع. وتبقى الدعوات الحقوقية إلى التحقيق والعقوبات ووقف الإفلات من العقاب عاجزة ما لم تتحول إلى إجراءات فعلية تحمي الفلسطينيين وتوقف العدوان والاستيطان والتهجير القسري.