نشرت وزارة الإسكان في الوقائع المصرية قراراً بنزع ملكية أراض وعقارات خاصة في محافظة الجيزة، لتنفيذ تدعيم خطوط المياه المغذية للشيخ زايد وجزء من 6 أكتوبر، بعد تعذر توقيع أصحابها على نماذج نقل الملكية.

 

ويعيد القرار فتح ملف سياسي وإنساني شديد الحساسية، إذ توسع الحكومة استخدام نزع الملكية باسم المنفعة العامة، بينما يخشى المواطنون تكرار تأخر التعويضات، وضعف التقييم، وتحويل التنمية إلى عبء يدفعه أصحاب البيوت والأراضي وحدهم.

 

وبحسب القرار رقم 791 لسنة 2026، يشمل النزع العقارات اللازمة لمسار الخطوط الناقلة للمياه العكرة من محطة المأخذ في برقاش حتى محطة الرافع بمحافظة الجيزة، تنفيذاً لقرار مجلس الوزراء رقم 3118 لسنة 2023.

 

كما ينص القرار على إيداع مستندات الملكية والكشوف والخرائط لدى مكتب الشهر العقاري المختص، بما يسمح باستكمال إجراءات نقل الملكية قانونياً، والشروع في تنفيذ الأعمال المرتبطة بتأمين احتياجات المدن الجديدة من المياه.

 

المياه مقابل الملكية

 

ومن ثم، تقدم الحكومة المشروع باعتباره ضرورة خدمية لا تحتمل التأجيل، لكن الضرورة لا تلغي حق المتضررين في المعرفة والمشاركة والتعويض العادل، ولا تمنح الإدارة تفويضاً مفتوحاً لانتزاع الملكيات دون رقابة مجتمعية وقضائية فعالة.

 

غير أن النص المنشور لا يوضح للرأي العام عدد العقارات أو مساحاتها أو أسماء القرى والمناطق المتأثرة تفصيلاً، وهو نقص يفاقم القلق ويجعل أصحاب الشأن أمام قرار نافذ قبل امتلاك صورة كاملة عن آثاره.

 

وعلاوة على ذلك، لا يقتصر أثر المشروع على قطعة أرض أو مبنى، فقد يفقد بعض الملاك مصدر دخل أو نشاطاً زراعياً أو تجارياً، بينما لا تعكس القيمة السوقية المجردة دائماً كلفة الانتقال أو انقطاع الرزق.

 

وفي هذا السياق، يؤكد الخبير العقاري مروان فارس أن نزع الملكية أداة قانونية مشروطة بضرورة المشروع وتوافر التعويض العادل، محذراً من أن اختلال التقييم أو التأخير يحول المنفعة العامة إلى ظلم خاص.

 

وبالتالي، فإن السؤال لا يتعلق بأهمية المياه للشيخ زايد و6 أكتوبر، بل بكيفية توزيع كلفة المشروع، ولماذا يتحملها أفراد محددون بينما تجني مدن كاملة فوائدها، من دون ضمانات معلنة لجبر خسائرهم الفعلية.

 

أما القانون رقم 10 لسنة 1990 وتعديلاته، فيلزم بتقدير التعويض وفق الأسعار السائدة وقت صدور قرار المنفعة العامة، مع إضافة نسبة 20%، ويشترط إيداع كامل المبالغ خلال المدة القانونية المقررة.

 

وبناءً على ذلك، لا تصبح زيادة 20% منحة حكومية، بل جزءاً واجباً من التعويض، كما لا يجوز أن يبدأ التنفيذ ثم يترك المواطن سنوات يطارد مستحقاته وسط تضخم يلتهم قيمة المال.

 

تعويضات تحت الاختبار

 

وفي المقابل، تكشف شكاوى برلمانية حديثة من الجيزة أن بعض التعويضات تأخرت سنوات، وأن مواطنين اعترضوا على انخفاض التقييم وعدم إضافة النسبة القانونية، بما يضع الوعود الرسمية أمام اختبار الثقة المتآكلة.

 

ويقول النائب والمهندس إيهاب منصور، بعد لقاءات وزيارات ميدانية لمتضررين في الجيزة، إن التأخير يخالف الدستور، وإن التقييمات يجب أن تعكس السعر السائد وتضاف إليها النسبة القانونية دون انتقاص أو تسويف.

 

لذلك، يحتاج القرار الجديد إلى جدول معلن يحدد مواعيد الحصر والتقييم والإيداع والصرف، وإلى قناة تظلم بسيطة ومجانية، بدلاً من دفع الأسر إلى دعاوى طويلة ومكلفة لمواجهة جهاز إداري يملك الوقت والموارد.

 

وفوق ذلك، يجب أن يشمل التعويض الأضرار التابعة للنزع، مثل فقدان الدخل وتكاليف الانتقال وإعادة بناء النشاط وتعطل الزراعة، لا أن يقتصر على ثمن المتر وكأن العقار منفصل عن حياة أصحابه.

 

ومن ناحية أخرى، اقترح مرصد العمران الاستعانة بخبراء تثمين مستقلين ومعتمدين، وتوسيع مفهوم التعويض ليصبح جابراً للضرر، بما يشمل الانتقال وفقدان الدخل التجاري والمحاصيل وتأثير النزع على إنتاجية الأرض مستقبلاً.

 

كذلك، تثير كثافة قرارات النزع خلال الأعوام الأخيرة مخاوف من تحول الاستثناء الدستوري إلى أداة إدارية معتادة، خصوصاً مع تنفيذ مئات المشروعات التي مست عشرات الآلاف من العقارات والأفدنة والأسر.

 

وفي ضوء دراسة عمرانية حديثة، شهدت الفترة من 2021 إلى 2025 نزع نحو 88 ألفاً و769 فداناً لصالح 525 مشروعاً، مع تقديرات بتضرر أكثر من 136 ألف أسرة في أنحاء مختلفة.

 

وعليه، لا يمكن قراءة قرار خطوط المياه منفصلاً عن هذا المسار الواسع، لأن تراكم القرارات يكشف نموذجاً تنموياً يعتمد بكثافة على الاستحواذ على الملكية الخاصة، بينما تظل آليات المشاركة والاعتراض والتعويض أضعف من سلطة التنفيذ.

 

سلطة التنفيذ وحقوق الناس

 

ومن جانبه، طالب النائب حسام حسن الخشت بمراجعة كفاءة منظومة التعويضات وربطها بالمتغيرات الاقتصادية والتضخم، مؤكداً ضرورة حضور الجهات المعنية أمام البرلمان لضمان التوازن بين متطلبات التنمية والحقوق الدستورية للمواطنين.

 

لكن الحكومة تستطيع تقليل النزاع إذا نشرت منذ البداية الخرائط والمساحات وأسماء المتضررين والقيمة التقديرية للتعويضات، وأتاحت جلسات استماع محلية، بدلاً من الاكتفاء بنشر قرار قانوني لا يجيب عن الأسئلة اليومية لأصحاب العقارات.

 

وفي المقابل، يرى خبير الطرق والنقل حسن المهدي أن الدولة حسنت آليات التعويض خلال السنوات الأخيرة، وأن التقييم يجري عبر متخصصين، غير أن هذا الدفاع الرسمي لا يلغي ضرورة اختبار كل حالة بالوثائق والمواعيد الفعلية.

 

وبهذا المعنى، فإن وجود قانون ولجان لا يكفي وحده، لأن العدالة تقاس بما يصل إلى يد المالك وفي الوقت المناسب، لا بما يكتب في المذكرات الحكومية أو يقال في البرامج التلفزيونية.

 

ومن الأهمية بمكان، أن تفصل الجهات المنفذة بين أصحاب الملكيات المسجلة والحائزين والورثة والمزارعين والمستأجرين، لأن لكل فئة مصالح مختلفة، ولأن تجاهل الحيازة الفعلية قد يحرم أسراً كاملة من أي حماية أو بديل.

 

وفي الوقت نفسه، ينبغي أن تتولى جهة مستقلة مراجعة التقييمات، وأن يكون الطعن سريعاً وغير معطل لصرف الجزء غير المتنازع عليه، حتى لا تستخدم الإجراءات الطويلة وسيلة ضغط لإجبار المواطنين على قبول مبالغ أقل.

 

وأخيراً، يحتاج مشروع المياه إلى التنفيذ، لكن الحاجة لا تبرر إدارة الملف بمنطق الأمر الواقع، فالدولة التي تطلب من المواطن التضحية بملكيته مطالبة بإثبات أن التضحية ضرورية ومحدودة ومقابلة بتعويض كامل وسريع.

 

وفي المحصلة، يكشف القرار الجديد أن أزمة نزع الملكية ليست في النص القانوني وحده، بل في ميزان القوة بين حكومة تنفذ فوراً ومواطن ينتظر، ولذلك تبقى الشفافية والتعويض المسبق والرقابة شروطاً لا يجوز تجاوزها.