اقتحم 144 مستوطنًا، الخميس 9 يوليو 2026، باحات المسجد الأقصى المبارك من جهة باب المغاربة، تحت حماية مشددة من شرطة الاحتلال الإسرائيلي، في حلقة جديدة من تصعيد بات يتجاوز الاقتحامات اليومية إلى محاولات متسارعة لفرض واقع ديني وسياسي جديد داخل المسجد.
وأفادت دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس بأن المستوطنين تجولوا في باحات الأقصى وأدوا طقوسًا تلمودية في المنطقة الشرقية، بينما شددت قوات الاحتلال القيود على دخول المصلين الفلسطينيين، في مشهد يلخص المعادلة التي يسعى الاحتلال إلى تكريسها، إذ تتسع حرية المستوطنين داخل المسجد بالتوازي مع تضييق وصول أصحابه إليه.
الاقتحامات تتحول إلى سياسة يومية
لم يعد اقتحام المسجد الأقصى حدثًا موسميًا مرتبطًا بالأعياد اليهودية أو مناسبات محددة، بل تحول إلى ممارسة شبه يومية تنفذ ضمن مجموعات متتالية وتحت حماية الشرطة، فيما تتزايد جرأة المستوطنين في أداء الطقوس والصلوات التلمودية داخل باحات المسجد.
وتكشف أرقام النصف الأول من عام 2026 حجم هذا التحول، إذ بلغ عدد المستوطنين الذين اقتحموا المسجد الأقصى 25 ألفًا و604 مستوطنين، إلى جانب 524 ألفًا و912 شخصًا دخلوا تحت غطاء ما يسمى السياحة، وفق بيانات فلسطينية موثقة.
وخلال يونيو وحده، اقتحم أكثر من 8900 مستوطن المسجد، مع تسجيل 20 حالة تدنيس وحالتي إبعاد بحق المواطنين والمرابطين، وهي أرقام تكشف أن التصعيد لم يعد سلسلة حوادث منفصلة، بل مسارًا منظمًا يتقدم بوتيرة متسارعة.
وتأتي هذه الاقتحامات وسط تشديد متواصل على الفلسطينيين، عبر تقييد الوصول إلى المسجد واحتجاز الهويات وإبعاد المرابطين، بما يخلق اختلالًا متعمدًا في المشهد، حيث يحظى المستوطن بحماية للوصول وأداء الطقوس، بينما يواجه المصلي الفلسطيني الحواجز والمنع.
ويحذر المقدسيون من أن خطورة الاقتحامات لا تقف عند عدد المشاركين فيها، بل في تحولها التدريجي إلى وسيلة لفرض عادات وطقوس جديدة، ثم استخدامها لاحقًا للمطالبة بتثبيت حقوق دينية وسياسية مزعومة داخل المسجد.
ومن هنا، تبدو الأرقام المتصاعدة جزءًا من معركة على الواقع نفسه، إذ يسعى الاحتلال إلى تحويل ما كان يُنظر إليه باعتباره انتهاكًا استثنائيًا إلى ممارسة مألوفة، ثم الانتقال من الاعتياد على الاقتحام إلى قبول تقسيم المكان والزمان.
ويكتسب هذا المسار خطورته من أن دائرة الأوقاف الإسلامية هي الجهة التي تدير المسجد الأقصى بكامل مساحته البالغة 144 دونمًا، بموجب الوصاية الأردنية، بينما تعمل الإجراءات الإسرائيلية تدريجيًا على تقليص قدرتها الفعلية على إدارة المكان.
باب الرحمة في قلب المخطط
الأخطر في التصعيد الأخير أن التحذيرات لم تعد تتحدث فقط عن طقوس تلمودية أو اقتحامات، بل عن انتقال الاحتلال إلى مشاريع ميدانية تستهدف تثبيت وجود دائم داخل محيط المسجد، وخصوصًا في المنطقة الشرقية القريبة من مصلى باب الرحمة.
وحذر عضو لجنة أمناء الأقصى فخري أبو دياب من أن الاحتلال انتقل من مرحلة تكريس الرواية والطقوس التهويدية إلى مرحلة تنفيذ المشاريع على الأرض، مشيرًا إلى التخطيط لإقامة كنيس في الجهة الشرقية بالقرب من مصلى باب الرحمة.
وبحسب أبو دياب، فإن إقامة هذا الكنيس تستهدف تثبيت موطئ قدم دائم داخل محيط الأقصى، وهو ما ينقل الخطر من اقتحام ينتهي بخروج المستوطنين إلى وجود مؤسسي دائم يمكن البناء عليه لفرض وقائع جديدة مستقبلًا.
وتحظى منطقة باب الرحمة بحساسية خاصة، لأنها ظلت خلال السنوات الماضية محورًا لصراع متكرر بين المقدسيين وسلطات الاحتلال، فيما يرى الفلسطينيون أن التركيز الإسرائيلي عليها يرتبط بمحاولات السيطرة على الجزء الشرقي من المسجد وفصله تدريجيًا.
وتزامن ذلك مع أداء المستوطنين طقوسًا تلمودية في المنطقة الشرقية خلال اقتحام الخميس، ما يعزز المخاوف من وجود مسار متدرج يبدأ بتكثيف الحضور الديني، ثم تثبيت الطقوس، قبل الانتقال إلى مطالبات ببناء منشأة دائمة.
ولا تنفصل هذه الخطوات عن محاولات تقليص صلاحيات الأوقاف الإسلامية، إذ حذر أبو دياب من توسيع سلطات الشرطة وجماعات الهيكل مقابل تقييد دور الجهة الإسلامية المسؤولة تاريخيًا عن إدارة المسجد وشؤونه.
وتكمن الخطورة هنا في أن السيطرة على الأقصى لا تحدث بقرار واحد، بل عبر تراكم الخطوات الصغيرة، من تغيير قواعد الدخول إلى فرض الطقوس، ثم السيطرة على مناطق محددة، حتى يصبح الواقع الجديد أكثر صعوبة في التراجع عنه.
التضييق يمهد لتغيير هوية القدس
ما يجري داخل المسجد الأقصى ليس منفصلًا عن المعركة الأوسع على القدس، إذ تتهم الجهات الفلسطينية الاحتلال باتباع سياسات منهجية لتغيير الطابع الديمغرافي والقانوني والثقافي والعمراني للمدينة وطمس هويتها العربية والإسلامية والمسيحية.
وخلال النصف الأول من 2026، وثقت الجهات الفلسطينية تصعيدًا واسعًا في الانتهاكات بالقدس، شمل سقوط ضحايا وإصابات وقيودًا متزايدة على السكان، بالتوازي مع ارتفاع غير مسبوق في أعداد المقتحمين للمسجد الأقصى.
ويؤدي التضييق على المصلين وإبعاد المرابطين دورًا أساسيًا في هذه السياسة، لأن تقليل الحضور الفلسطيني داخل المسجد يتيح للمستوطنين مساحة أوسع للحركة، ويمنح الاحتلال فرصة تقديم المشهد الجديد باعتباره واقعًا مستقرًا يمكن البناء عليه.
وفي المقابل، يحذر المقدسيون من أن الصمت على الاقتحامات اليومية يسمح بتحويل المسجد الأقصى تدريجيًا من مكان إسلامي خالص تديره الأوقاف إلى ساحة تتنازع عليها سلطات الاحتلال والجماعات الدينية المتطرفة.
ولا تبدو واقعة اقتحام 144 مستوطنًا، في هذا السياق، حادثًا محدودًا يمكن اختزاله في عدد المشاركين، بل حلقة ضمن مشروع تتراكم فيه الأرقام والطقوس والقيود والمشروعات الميدانية لتغيير طبيعة المكان.
ومع وصول عدد المقتحمين إلى أكثر من 25 ألفًا خلال نصف عام فقط، والتخطيط المعلن عنه لإقامة كنيس قرب باب الرحمة، يصبح السؤال المطروح هو المدى الذي يمكن أن يصل إليه هذا التصعيد قبل أن يتحول التحذير من تغيير الوضع القائم إلى واقع مفروض بالفعل.
وهكذا يقف المسجد الأقصى أمام مرحلة شديدة الخطورة، تتجاوز حماية أبوابه وباحاته إلى حماية هويته الكاملة، في مواجهة مشروع يعتمد على الاقتحام اليومي والتضييق الأمني والتغيير التدريجي حتى يصبح الاستثناء قاعدة والعدوان واقعًا دائمًا.

