حذر خبراء البيئة والزراعة من تراجع خطير يهدد الإنتاج الزراعي في مصر، مع احتمال خسارة القمح حتى 30% في موجات الحر الشديدة بالصعيد، مطالبين بوضع استراتيجية عاجلة تحمي المحاصيل والفلاحين والأمن الغذائي.
ويكشف التحذير مأزقا سياسيا وإنسانيا يتجاوز الطقس نفسه، إذ يواجه الفلاح حرارة أشد ومياها أندر وتكاليف أعلى، بينما تواصل حكومة الانقلاب إدارة الأزمة بردود متفرقة لا ترتقي إلى حجم الخطر الذي يهدد غذاء المصريين.
محاصيل تحترق بشدة الحرارة
في البداية، يؤكد الدكتور مصطفى الشربيني أن التغيرات المناخية لم تعد توقعات بعيدة، بل أزمة فعلية تعيد تشكيل الزراعة، بعدما أصبحت موجات الحر أطول والجفاف أشد والأمطار أكثر اضطرابا ومعدلات البخر أعلى.
وبحسب الشربيني، فإن اختلال التوازن بين الحرارة والرطوبة والمياه والتربة يضغط مباشرة على نمو النباتات، ويخفض الإنتاجية والجودة، ويفتح المجال أمام الآفات والأمراض، بما يضاعف خسائر المزارع قبل وصول المحصول إلى السوق.
كما أن الخطر لا يقف عند كمية المحصول، لأن ارتفاع الحرارة يعيد رسم الخريطة الزراعية نفسها، فتفقد مناطق اعتادت زراعة محاصيل بعينها جزءا من ملاءمتها، بينما تتغير المواعيد والاحتياجات المائية وأنماط الخدمة الزراعية.
وفوق ذلك، يضع الشربيني القمح في مقدمة المحاصيل المعرضة للضرر، لأن موجات الحر خلال التزهير وامتلاء الحبوب تضرب الإنتاجية، فيما يواجه الأرز ضغطا مزدوجا من الحرارة المرتفعة وتزايد الاحتياجات المائية.
ومن ناحية أخرى، تمتد الخسائر إلى الذرة وعباد الشمس وفول الصويا، بينما تواجه الطماطم والبطاطس والموالح والعنب إجهادا حراريا وملوحة أعلى وانتشارا أوسع للحشرات، بما يحول الأزمة إلى تهديد متعدد المحاصيل.
وبالتالي، لا تعني موجة الحر يوما صعبا في الحقل فقط، بل تعني فاتورة أعلى للبذور والري والمبيدات والطاقة والنقل والتخزين، ثم أسعارا أغلى للمستهلك، واتساعا أكبر لفجوة الغذاء والاعتماد على الواردات.
لهذا، يطالب الشربيني باستراتيجية وطنية للتكيف تقوم على أصناف مقاومة للحرارة والجفاف والملوحة، ونظم ري حديثة وذكية، وتقليل الفاقد، معتبرا الزراعة خط الدفاع الأول عن الغذاء والاقتصاد والمجتمع قبل اتساع الخسائر.
في المقابل، تملك مصر بالفعل استراتيجية وطنية لتغير المناخ حتى 2050، لكن وجود الوثيقة وحده لا يكفي ما لم تتحول الأهداف إلى حماية ملموسة في الحقول، وتمويل يمكن للفلاح الصغير الوصول إليه قبل وقوع الخسارة.
الفلاح يدفع الفاتورة
أما الخبير البيئي الدكتور مجدي علام، فيرى أن المحاصيل الاستراتيجية تواجه تحديا مباشرا، وعلى رأسها القمح والشعير، لأن كل محصول يرتبط بنطاق حساس من الحرارة والتربة والمياه، وأي اضطراب ينعكس على الإنتاج والجودة.
ووفقا لعلام، تزيد موجات الجفاف والاحترار المحلي، خصوصا في المناطق الصناعية والمكتظة بالأنشطة البشرية، الضغوط على الزراعة، فتتراجع كفاءة النمو وتصبح المحاصيل أكثر تعرضا للتقلبات الحادة والاختلالات البيئية المتسارعة يوما بعد يوم.
كذلك، يدعو علام إلى التوسع في نظم الري الحديثة والتكنولوجيا الزراعية، بما يساعد على توفير ظروف أفضل للنبات وتقليل هدر الموارد، بدلا من ترك المزارع يواجه أزمة مناخية متصاعدة بأدوات تقليدية محدودة.
علاوة على ذلك، يطرح استخدام الصوب والغطاءات وأنظمة التحكم في الحرارة باعتبارها أدوات فعالة لحماية بعض الزراعات، لكن هذه الحلول تظل مرتفعة الكلفة على صغار الفلاحين من دون دعم وتمويل وإرشاد حقيقي.
ومن ثم، تظهر الفجوة بين الخطاب الرسمي وواقع الحقول، فالحكومة تتحدث عن الزراعة الذكية، بينما يحتاج تطبيقها إلى بنية وتمويل وتأمين وإرشاد، لا إلى مطالبة المزارع وحده بشراء التكنولوجيا وتحمل مخاطر التجربة.
وعلى مستوى أوسع، تؤكد منظمة الأغذية والزراعة أن موجات الحر في مصر تزداد شدة وتكرارا، وترفع معدلات البخر واحتياجات المياه، وهو ما يجعل التكيف ضرورة اقتصادية عاجلة لا شعارا بيئيا مؤجلا.
وبالمثل، يحذر البنك الدولي من أن ارتفاع الحرارة وتراجع الأمطار يمثلان من أكبر المخاطر على الزراعة المصرية، مع زيادة متوقعة في شدة موجات الحر ومدتها وارتفاع الطلب على مياه الري.
غير أن المزارع هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، لأنه يدفع تكلفة الري والمبيدات والخدمة الزراعية فورا، بينما تتأخر برامج الدعم والتأمين والتعويض، فيتحول تغير المناخ من خطر طبيعي إلى أزمة عدالة اجتماعية.
غذاء المصريين في الخطر
وفي المحور الأخير، يحذر الدكتور محمد طنطاوي، رئيس جمعية حماية البيئة والتنمية، من أن محافظات الصعيد باتت تواجه موجات حر غير مسبوقة، أربكت دورة المحاصيل والخريطة الزراعية التقليدية وأضعفت الإنتاج والجودة خلال الصيف.
وبحسب طنطاوي، يمكن أن تتراجع إنتاجية القمح بين 20% و30% عند التعرض لحرارة مرتفعة خلال مراحل النمو الحساسة، بينما تمتد الأضرار إلى الذرة والقطن والمانجو والعنب والطماطم ومحاصيل أخرى بشكل مباشر.
فضلا عن ذلك، تؤدي الحرارة المرتفعة إلى انتشار أكبر للآفات والحشرات، فيضطر المزارعون إلى زيادة المبيدات، ما يرفع التكلفة ويضغط على هامش الربح، ويهدد في الوقت نفسه جودة الإنتاج وسلامة البيئة.
وبناء على ذلك، يطالب طنطاوي بتطوير أصناف تتحمل الحرارة والجفاف، ودعم مراكز البحوث والإرشاد الزراعي، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بعد والأقمار الصناعية لإطلاق إنذارات مبكرة تقلل الخسائر على نطاق واسع.
وفي هذا السياق، تصبح التكنولوجيا أداة إنقاذ فقط عندما تصل إلى الفلاح في الوقت المناسب، أما الاكتفاء بالمؤتمرات والمشروعات التجريبية فيترك ملايين المزارعين خارج منظومة التكيف، ويحول الفجوة التقنية إلى خسائر موسمية.
لهذا السبب، يحتاج الإنقاذ إلى تمويل مباشر وتسهيلات وتأمين زراعي وتعويضات سريعة ومعلومات مناخية دقيقة، لأن تحميل الفلاح وحده تكلفة التكيف يعني عمليا دفع الأضعف إلى الانسحاب من الزراعة أو تقليص مساحاته.
وفي المحصلة، تكشف التحذيرات أن أزمة الزراعة ليست موجة حر عابرة، بل اختبار لقدرة الدولة على حماية الغذاء، بينما يواجه الفلاح الخطر وحده بين مناخ متطرف وتكاليف مرتفعة وموارد مائية مضغوطة.
وأمام هذا المشهد، تبدو حكومة الانقلاب مطالبة بأكثر من بيانات عن الاستراتيجيات، لأن حماية القمح والمحاصيل الاستراتيجية تحتاج جدولا تنفيذيا وتمويلا واضحا ومحاسبة علنية، لا وعودا مؤجلة إلى ما بعد موسم الخسائر.
وأخيرا، إذا استمرت الحرارة في الارتفاع وبقي الدعم أقل من الخطر، فلن يدفع الفلاح وحده الثمن، بل ستدفع الأسرة المصرية عبر غذاء أغلى وواردات أكبر وأمن غذائي أكثر هشاشة أمام كل صدمة جديدة.

