لم يعد مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز «مستقبل مصر للتنمية المستدامة» مجرد تعديل إداري ينقل تبعية جهاز من مؤسسة إلى أخرى، بل يبدو، وفق نصوصه والصلاحيات التي يمنحها، إعادة رسم لخريطة السلطة الاقتصادية في مصر، عبر صناعة كيان هائل يتبع عبد الفتاح السيسي مباشرة، ويتمتع باستقلال مالي وفني وإداري، ويعمل في عشرات القطاعات، ويحوز الأراضي والأصول، ويؤسس الشركات والصناديق، بينما تحيط به استثناءات واسعة من القواعد التي تحكم مؤسسات الدولة الأخرى.

 

اللجنة المشتركة من لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية وهيئات مكاتب 17 لجنة برلمانية أقرت مشروع القانون، قبل أن توافق عليه اللجنة نهائيًا في 9 يوليو 2026، وسط خطاب رسمي يقدمه باعتباره أداة لتسريع التنمية وتجاوز البيروقراطية ودعم الاستثمار.

لكن قراءة الصلاحيات والاستثناءات تطرح سؤالًا أكثر خطورة: هل نحن أمام جهاز تنموي، أم أمام بناء مركز اقتصادي موازٍ للدولة، يحصل على أصولها، ويستفيد من خزانتها، ويتحرر من كثير من قيودها، دون أن تتحقق في المقابل مستويات مماثلة من الشفافية والمساءلة؟

 

المشروع ينقل الجهاز إلى التبعية المباشرة لرئيس الجمهورية، ويمنحه شخصية اعتبارية واستقلالًا واسعًا، ورئيس مجلس إدارة بدرجة وزير، إلى جانب صندوقين جديدين وقدرات ضخمة على الاستثمار وتأسيس الشركات والاستحواذ عليها داخل مصر وخارجها.

وهنا لا تعود القضية مجرد توسيع نشاط مؤسسة قائمة، بل تركيز سلطات التخطيط والتنفيذ والإدارة والاستثمار داخل كيان واحد يمتد نشاطه من الزراعة والأمن الغذائي إلى الصناعة والعقارات والطاقة والمياه والتعليم والاتصالات والسياحة واللوجستيات.

 

 

جهاز يبتلع الدولة قطعة قطعة

 

أخطر ما يكشفه مشروع القانون هو أن «مستقبل مصر» لم يعد جهازًا متخصصًا في مشروع زراعي أو مجموعة محدودة من المشروعات القومية. القائمة التي يفتحها القانون أمامه تكاد تشمل الاقتصاد المصري كله: التنمية الزراعية، التصنيع، التوسع العمراني، الثروة الحيوانية والسمكية، الصناعات الاستخراجية والتحويلية، السياحة، التشييد، الطاقة، المياه، الكهرباء، التعليم، الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.

 

بهذا الاتساع، يصبح الجهاز لاعبًا قادرًا على منافسة الوزارات والهيئات العامة والقطاع الخاص في وقت واحد، لكن من موقع لا تتوافر لمنافسيه الأدوات نفسها. فالمستثمر الخاص يتحمل الضرائب والرسوم وتكلفة التمويل وإجراءات التراخيص والتعاقدات، بينما يتحرك الجهاز بامتيازات واستثناءات ودعم مباشر وغير مباشر من الدولة.

 

الأمر يثير مخاوف أعمق من مجرد توسع مؤسسة اقتصادية. تركيز التخطيط والتنفيذ والاستثمار وإدارة الأصول في جهة واحدة يهدم فلسفة توزيع الاختصاصات التي تقوم عليها الإدارة الحديثة. فالجهة التي تضع السياسة لا يُفترض أن تكون هي نفسها المستثمر والمنفذ والمنافس والمستفيد، بينما تتراجع قدرة الجهات المدنية التقليدية على ممارسة أدوارها.

 

ويرى منتقدون أن نقل التبعية من الإطار العسكري السابق إلى الرئاسة مباشرة لا يعني انسحاب المؤسسات السيادية من الاقتصاد، بل إعادة تجميع هذا النفوذ في كيان أكبر وأكثر شمولًا، يتمتع بغطاء قانوني يتيح له التمدد إلى قطاعات كانت تُدار تاريخيًا عبر مؤسسات مدنية أو شركات خاصة.

 

ناصر وصف الخطوة باعتبارها توسيعًا للنفوذ المالي للجهاز بعد سنوات من السيطرة المتنامية على قطاعات الاقتصاد:

 

 

شبكة رصد اعتبرت أن التمدد الجديد لإمبراطورية «مستقبل مصر» يجري على حساب ممتلكات الدولة والشعب:

 

 

أسامة جاويش حذر من أن نقل الجهاز من الجيش إلى التبعية المباشرة للسيسي يمنحه صلاحيات غير مسبوقة ويضعه عمليًا «فوق الجميع»:

 

 

 

الخزانة تدفع والجهاز يحتفظ بالأرباح

 

تتضاعف خطورة المشروع عندما تنتقل القراءة من اتساع الاختصاصات إلى هندسة العلاقة المالية بين الجهاز والدولة. فبحسب المواد التي أثارت الجدل، تتحمل الخزانة العامة أعباء مرتبطة بالتأمينات والضرائب والرسوم المستحقة على الجهاز، في الوقت الذي يُستثنى فيه من قواعد تتعلق بأيلولة نسبة من الأرباح إلى الخزانة.

 

المعادلة التي يرسمها منتقدو القانون شديدة القسوة: الدولة تتحمل جانبًا من التكلفة، لكن الخزانة لا تحصل بالضرورة على نصيب موازٍ من العائد. وهو ما يمكن تلخيصه بعبارة: المال العام حاضر عند الخسائر والأعباء، وغائب عند توزيع المكاسب.

 

ولا تظهر هذه الامتيازات كلها في صورة مصروفات مباشرة داخل الموازنة. فالإعفاء من ضريبة أو رسم هو في النهاية إيراد تنازلت عنه الدولة، وتحميل الخزانة التزامًا ماليًا نيابة عن جهاز مستقل يمثل تكلفة يتحملها المواطنون، حتى عندما لا يظهر المبلغ في بند واضح يحمل اسم الجهاز.

 

الأخطر أن الجهاز يستطيع تلقي الأراضي والأصول والمساهمات، وهي صلاحيات تكتسب وزنًا استثنائيًا عندما يتعلق الأمر بكيان سبق أن نُقلت إليه مساحات ضخمة من الأراضي ومشروعات متعددة. وتؤكد تغطيات منشورة للمسودة أن المشروع يسمح بنقل أراضٍ مملوكة للدولة وحصص في شركات وأصول إلى الجهاز، بما يوسع بشدة قاعدة ممتلكاته واستثماراته.

 

المشكلة هنا ليست في الاستثمار في حد ذاته، بل في مسار الأصول العامة: من يقيّمها؟ من يحدد المقابل؟ أين تذهب العوائد؟ ومن يملك مراجعة القرارات بعد تنفيذها؟ فعندما تتحول الأصول من الملكية العامة إلى هياكل ذات معاملة قانونية ومالية خاصة، يصبح السؤال عن الرقابة أهم من السؤال عن سرعة الإنجاز.

 

حزب تكنوقراط مصر اعتبر الصلاحيات الجديدة مدخلًا لصناعة «دولة داخل الدولة» تحت غطاء التنمية:


https://x.com/egy_technocrats/status/2074927332733952002

 

 

رانيا الخطيب تساءلت عن مسلسل الصناديق والكيانات الموازية: «تحيا مصر»، ثم الصندوق السيادي، ثم صندوق «مستقبل مصر».. وإلى أين ينتهي الطريق؟


https://x.com/ElkhateebRania/status/2074878542525985037

 

 

حصانة قانونية لسوق بلا منافسة

 

المشكلة الثالثة تتجاوز المال إلى الرقابة نفسها. فالمادة 24، وفق النص المتداول، تنظم تعيين مراقبي حسابات للجهاز والصندوقين من مكاتب مراجعة مسجلة لدى البنك المركزي أو مكاتب دولية كبرى، على أن يصدر قرار التعيين والإعفاء وتحديد الأتعاب والمكافآت من رئيس الجمهورية.

 

وفي المقابل، يثير توصيف بعض أموال الصناديق باعتبارها أموالًا خاصة مخاوف من تقليص نطاق الرقابة العامة المباشرة، خصوصًا مع اقتصار أدوار رقابية واردة في المشروع على متابعة مؤشرات الأداء استنادًا إلى قوائم مالية معتمدة، بدلًا من نموذج رقابة كاملة ومسبقة ولاحقة على التصرفات.

 

ثم تأتي المادة 73 لتضيف طبقة أخرى من التحصين، إذ تقصر، بحسب النص الذي أثار الجدل، قبول الدعاوى والطعون ببطلان التصرفات أو مبيعات الأصول على أطراف تلك التصرفات. ومغزى ذلك، وفق منتقدي المشروع، هو تضييق دائرة من يستطيعون الطعن على عمليات قد تتعلق في الأصل بأصول كانت مملوكة للدولة.

 

كما تلزم المادة 74 طيفًا واسعًا من الوزارات والمصالح والأجهزة ووحدات الإدارة المحلية والهيئات العامة والأشخاص الاعتبارية بتزويد الجهاز بما يطلبه من بيانات ومعلومات ودراسات. وبذلك لا يبدو الجهاز مجرد مؤسسة داخل الدولة، بل مركزًا واسع النفوذ تتدفق إليه موارد ومعلومات وقدرات مؤسسات الدولة الأخرى.

 

هذه البنية تحمل أيضًا خطرًا مباشرًا على المنافسة. فكيف يمكن لشركة خاصة أن تنافس كيانًا يحصل على الأراضي والأصول، ويتمتع باستثناءات مالية وإدارية، ويمتلك قدرة الدخول إلى معظم القطاعات، بينما يتبع مباشرة أعلى سلطة في الدولة؟

 

لقد ظل القطاع الخاص لسنوات يشكو من عدم تكافؤ الفرص مع الشركات التابعة للمؤسسات السيادية. والمشروع الجديد لا يعالج هذه الأزمة، بل قد يعيد إنتاجها بصورة أكثر تركيزًا: لاعب ضخم يملك الملعب، ويتمتع بممرات قانونية ومالية خاصة، بينما يُطلب من بقية اللاعبين إثبات قدرتهم على المنافسة.

 

أيمن نور لخص المعضلة في سؤال مباشر: هل تبني الدولة اقتصادًا تنافسيًا، أم اقتصادًا بممرات خاصة؟ وهل تبقى حكمًا يضمن عدالة السوق، أم تتحول إلى لاعب يملك الملعب والصفارة ولوحة النتائج؟


https://x.com/AymanNour/status/2075173505985876199

 

 

وهنا تكمن خطورة مشروع «مستقبل مصر»: ليس لأنه ينشئ مؤسسة قوية، بل لأنه يضع قوة اقتصادية غير مسبوقة في يد مؤسسة واحدة، ويمنحها أصولًا واختصاصات واستثناءات تمتد من الأرض إلى الضرائب، ومن تأسيس الشركات إلى إدارة المشروعات، ثم يترك أسئلة الرقابة والإفصاح والمساءلة بلا إجابات توازي حجم هذه الإمبراطورية.

 

المشكلة ليست في اسم الجهاز ولا في شعار التنمية. المشكلة في نموذج اقتصادي يطالب المواطن والخزانة بتحمل التكلفة، ويمنح كيانًا سياديًا فرصًا لا يملكها غيره، ويقلص مساحة المؤسسات المدنية والقطاع الخاص، ثم يقدم كل ذلك باعتباره اختصارًا للبيروقراطية.

 

بهذا المعنى، لا يبدو القانون مجرد إعادة تنظيم لـ«مستقبل مصر»، بل إعادة تنظيم للدولة نفسها حول جهاز واحد: الدولة تمنحه الأرض، والخزانة تتحمل الأعباء، والمؤسسات تقدم البيانات والخدمات، والقطاع الخاص يواجه منافسًا غير متكافئ، بينما تظل الحقيقة الأساسية معلقة: من يراقب هذه الإمبراطورية، ومن يحاسبها، ولمن تذهب أرباحها؟