حظي المصريان أسامة شلبي ونجله محمد باحتفاء واسع في إيطاليا، بعد مشاركتهما في إيقاف منفذ هجوم دهس وطعن شهدته مدينة مودينا شمالي البلاد، وأسفر عن إصابة 8 أشخاص، بينهم 4 في حالة خطيرة، بعدما اندفعت سيارة وسط المارة قبل أن يصطدم قائدها بواجهة محل ويحاول الفرار حاملًا سكينًا.
وجاءت بطولة الأب ونجله لتمنح الواقعة بعدًا إنسانيًا لافتًا، بعدما تحولت عبارة أسامة شلبي «لم نخف، نحن مصريون، لا نخاف إلا الله» إلى عنوان متداول في الإعلام الإيطالي والعربي، في وقت أثار فيه الهجوم نقاشًا واسعًا حول الأمن والاندماج ودور المواطنين العاديين في منع الكوارث.
دهس في قلب مودينا
وقع الهجوم يوم السبت في شارع فيا إميليا تشنترو بمدينة مودينا، عندما قاد سليم الكودري، وهو إيطالي من أصل مغربي يبلغ 31 عامًا، سيارة من طراز سيتروين بسرعة كبيرة وسط منطقة مزدحمة، قبل أن يصدم عددًا من المارة ويثير حالة فوضى واسعة في قلب المدينة.
وبحسب وسائل إعلام دولية، أصيب 8 أشخاص في الهجوم، بينهم 4 بجروح خطيرة، كما نقل مصابون إلى مستشفيات في مودينا وبولونيا، فيما قالت السلطات إن التحقيقات الأولية لم تثبت وجود صلة بالتطرف، وإنها تدرس دوافع المهاجم وخلفيته النفسية.
وتوقفت السيارة بعد اصطدامها بواجهة زجاجية لأحد المحال، لكن الخطر لم ينته عند هذه اللحظة، إذ خرج قائد المركبة محاولًا الفرار وهو يحمل سكينًا، فاندفع عدد من المارة خلفه، بينهم أسامة شلبي ونجله محمد، إضافة إلى إيطاليين شاركوا في مطاردته والسيطرة عليه.
وتحدثت تقارير إيطالية عن إصابة لوكا سينيوريلي أثناء محاولته وقف المهاجم، كما شارك فابريتسيو جالانتسا في المطاردة، بينما أظهرت مقاطع مصورة لحظة التفاف عدد من المواطنين حول المنفذ وإسقاطه أرضًا إلى حين وصول الشرطة، في مشهد خفف من اتساع الكارثة.
الأب والابن في مواجهة السكين
برز اسم أسامة شلبي، العامل المصري البالغ 56 عامًا، سريعًا في التغطيات الإيطالية، بعدما قالت وكالة أنسا ووسائل أخرى إنه يعيش في إيطاليا منذ نحو 30 عامًا، وشارك مع نجله محمد، البالغ 20 عامًا، في مطاردة منفذ الهجوم بعد خروجه من السيارة.
وروى شلبي أنه لم يشعر بالخوف، وأنه قال لنجله محمد أن يمسك بالمهاجم ويوقفه، ثم شارك الابن في تثبيته وتجريده من السكين مع آخرين، قبل أن تصل الشرطة إلى المكان وتضع حدًا للهجوم الذي هز المدينة خلال دقائق قليلة.
ولم يتعامل أسامة مع موقفه باعتباره بطولة شخصية، بل قدّمه كتصرف طبيعي أمام خطر يهدد الناس في الشارع، لكنه أشار في تصريحاته إلى حلمه البسيط بعد 30 عامًا في إيطاليا، وهو الاستقرار مع أسرته في مسكن شعبي يجمعهم تحت سقف واحد.
وأثار هذا التصريح تعاطفًا واسعًا، لأن الرجل الذي لا يحمل الجنسية الإيطالية رغم إقامته الطويلة، وجد نفسه فجأة في قلب قصة إنقاذ داخل مدينة إيطالية، بينما صار حضوره مع نجله ردًا عمليًا على خطاب يختزل المهاجرين في الخطر أو العبء.
احتفاء رسمي ورسالة ضد خطاب الكراهية
دعا عمدة مودينا ماسيمو ميزّيتي الأب ونجله إلى فعالية تضامنية في المدينة، وشكر من تدخلوا لإيقاف المهاجم، كما التقى الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا ورئيسة الوزراء جورجيا ميلوني بعض المتدخلين والمصابين بعد الهجوم، في مشهد أظهر حجم الاهتمام الرسمي بالحادث.
كما أشاد السفير المصري في روما بسام راضي بأسامة شلبي ونجله محمد، ودعاهما إلى زيارة السفارة المصرية تقديرًا لشجاعتهما، فيما ذكرت وسائل إعلام مصرية أن الأسرة تنحدر من مركز تلا بمحافظة المنوفية، وأن الأب والابن يعملان في قطاع البناء داخل إيطاليا.
وفي المقابل، حاولت بعض الأصوات السياسية الإيطالية استغلال خلفية المهاجم لتشديد الخطاب ضد الهجرة، لكن مشاركة مصريين وإيطاليين معًا في وقف المنفذ أعادت توجيه الصورة نحو التضامن الشعبي، وأظهرت أن لحظة الخطر جمعت الناس على حماية الضحايا قبل أي تصنيف.
وتحولت عبارة «نحن مصريون لا نخاف إلا الله» إلى مفتاح القصة، لأنها لم تأت كشعار مكتوب مسبقًا، بل كجملة خرجت من رجل عامل وجد نفسه أمام مهاجم مسلح، فاختار أن يتقدم مع ابنه بدل أن ينسحب من المشهد أو يكتفي بالمشاهدة.
وفي النهاية، لم تعد قصة مودينا مجرد هجوم دموي في شارع أوروبي مزدحم، بل أصبحت حكاية عن أب مصري وابنه واجها الخطر باندفاع إنساني واضح، وعن مدينة اكتشفت وسط الفوضى أن الشجاعة قد تأتي من عامل مهاجر عاش 30 عامًا على هامش الاعتراف الرسمي.

