اشتكى أهالي منطقة الجبل في أسوان، من فرض رسوم كبيرة عليهم مقابل تقنين أوضاع بيوتهم، بينما تدفعهم الحكومة إلى الدخول في مسار إداري ومالي معقد تحت عنوان حماية أملاك الدولة، فتتحول البيوت التي عاشوا فيها سنوات إلى عبء مفاجئ على أسر محدودة الدخل.

 

وتكشف الشكاوى أصل الأزمة في تعامل الدولة مع السكن الشعبي كملف تحصيل لا كحق اجتماعي، لأن الحكومة لا تبدأ من قدرة الأهالي على الدفع ولا من ظروف البناء القديمة، بل تبدأ من الرسوم والمنصة والمهلة والتهديد بالإزالة أو تعطيل التقنين، فيدفع المواطن ثمن فشل إداري متراكم.

 

التقنين كفاتورة لا كحماية

 

بعد ذلك، تظهر الأزمة في تحويل التقنين من وسيلة لتثبيت استقرار الأسر إلى باب مالي مفتوح على رسوم فحص ورفع مساحي ومعاينات ومقابل تصرف. فالأهالي لا يرفضون تنظيم أوضاع بيوتهم، لكنهم يرفضون أن تبدأ الحكومة الحل من جيوبهم قبل مراجعة ظروفهم الاجتماعية.

 

لذلك، تبدو شكاوى أهالي الجبل امتدادا واضحا لسياسة أوسع في إدارة ملف أراضي الدولة، حيث تطلب الحكومة من المواطنين التقديم عبر المنصة الوطنية، وسداد رسوم الفحص إلكترونيا، ورفع المستندات، ثم انتظار المعاينة والتسعير والتعاقد من دون ضمان مسبق لقبول الطلب.

 

كما يزيد العبء حين يعلم المواطن أن تقديم طلب التقنين لا يخلق وحده حقا قانونيا نهائيا، ولا يلزم الجهة صاحبة الولاية بالتصرف له. هذا يعني أن الأسرة قد تدفع وتجمع أوراقا وتدخل إجراءات طويلة، ثم تظل مهددة بالرفض أو بتسعير لا تقدر عليه.

 

وفي هذا المحور، تخدم قراءة الباحث العمراني يحيى شوكت زاوية حق السكن، لأنه يتعامل مع العمران بوصفه سياسة اجتماعية لا ملف مخالفات فقط. فالتقنين العادل يجب أن يراعي تاريخ السكن ومستوى الدخل، لا أن يحاسب الفقير بسعر إداري أعمى.

 

أسوان تحت ضغط منصة ورسوم ومهلة قصيرة

 

ثم جاء تطبيق قانون 168 لسنة 2025 ليضع المواطنين أمام مهلة 6 أشهر للتقديم، وهي مدة تبدو قصيرة أمام أسر تحتاج إلى مستندات وخرائط مساحية وإثباتات وضع يد ومبالغ مالية. هذه المهلة تضغط على الأهالي بدل أن تمنحهم فرصة آمنة لتسوية أوضاعهم.

 

وبهذا المعنى، لا تتحرك الدولة كوسيط عادل بين حقها في حماية أملاكها وحق السكان في الاستقرار، بل كطرف يملك الأرض والإجراءات والرسوم والقرار النهائي. المواطن يدخل المنصة من موقع الضعيف، بينما تملك الحكومة سلطة التسعير والقبول والرفض والتصعيد.

 

كذلك، لا تنفصل شكاوى الجبل عن واقع أسوان نفسه، حيث تحدثت تقارير حكومية عن متابعة ملفات تقنين الأراضي والتصالح ومخالفات البناء داخل المحافظة، بل وإحالة مسؤولين في مراكز أسوان وإدفو وكوم أمبو للتحقيق بسبب مخالفات وتأخير في ملفات مرتبطة بالأملاك والتصالح.

 

وفي هذا السياق، تقدم الدكتورة سحر عطية زاوية التخطيط العمراني، لأن أي تقنين جاد في مناطق سكنية قائمة يجب أن يربط بين القانون والخدمات والمرافق والعدالة المكانية. فالمشكلة ليست ورقة ملكية فقط، بل علاقة كاملة بين المواطن والحي والطريق والمياه والكهرباء.

 

الجنوب يدفع ثمن مركزية القرار

 

في المقابل، تكشف شكاوى أهالي الجبل وجها آخر من تهميش الصعيد، لأن القرارات تصدر مركزيا بلغة المنصات والرسوم والمهل، ثم تهبط على مناطق عاشت سنوات تحت نقص خدمات وضعف دخل وفرص محدودة. الحكومة تطلب التزاما ماليا فوريا من أسر لم تمنحها تنمية كافية.

 

ومن ثم، يصبح التقنين في هذه الصورة اختبارا طبقيا قاسيا، لأن من يملك المال سيدخل الإجراءات ويدفع، ومن لا يملك سيبقى تحت ضغط الخوف من الرفض أو الإزالة أو تعقيد المرافق. القانون الواحد لا ينتج عدالة إذا طبق على أوضاع اجتماعية غير متساوية.

 

هنا، يخدم الدكتور أحمد زايد محور البعد الاجتماعي للأزمة بصفته عالم اجتماع درس تحولات المجتمع المصري، لأن السكن ليس عقارا منفصلا عن حياة الأسرة. البيت في مناطق مثل الجبل يمثل شبكة أمان اجتماعي، وأي رسوم مبالغ فيها تهدد استقرار العائلة لا مساحة البناء فقط.

 

وبناء على ذلك، لا تكفي دعوات المحافظات للمواطنين بسرعة التقديم إذا لم تصاحبها لجان تسعير عادلة، وإعفاءات حقيقية للفئات الفقيرة، وجدولة طويلة، وتظلم مستقل. فالمطلوب ليس إدخال الأهالي إلى المنصة فقط، بل منع المنصة من التحول إلى ماكينة تحصيل.

 

أصل المشكلة أعمق من مخالفة بناء

 

إلى جانب ذلك، يكشف ملف الجبل أن الدولة تتعامل مع النتيجة وتترك السبب، لأن كثيرا من مناطق السكن غير الرسمي نشأت بسبب غياب التخطيط وسوء توزيع الأراضي وارتفاع أسعار السكن النظامي. المواطن لم يختر الفوضى دائما، بل دفعته إليها سياسات تركته خارج السوق الرسمي.

 

وعندما تعود الحكومة بعد سنوات لتسعير الأرض والبيت كأنها لم تكن حاضرة طوال فترة البناء والتمدد، فإنها تعاقب السكان وحدهم وتبرئ الإدارات التي سمحت بالمخالفة أو تجاهلتها أو أخرت ملفات التصالح والتقنين. هذه المعادلة تفتح باب الجباية ولا تغلق باب الظلم.

 

كذلك، يحتاج أهالي الجبل إلى شفافية كاملة في إعلان طريقة احتساب الرسوم وقيمة المتر ومعايير التخفيض والجدولة، لأن الغموض يحول التقنين إلى تهديد مستمر. المواطن لا يستطيع ترتيب حياته إذا كان لا يعرف هل سيدفع مبلغا محدودا أم فاتورة تفوق قدرته.

 

وفي النهاية، لا تبدو شكاوى أهالي الجبل في أسوان مجرد خلاف محلي حول رسوم تقنين، بل شهادة على سياسة حكومية تضغط على السكن الشعبي بدل حمايته. الدولة مطالبة بتسوية عادلة تبدأ من قدرة الأهالي لا من دفتر التحصيل، وتثبت البيوت قبل أن تستنزف أصحابها.