أدخل جيش الاحتلال الإسرائيلي اليوم قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين حيز التنفيذ في الضفة الغربية المحتلة، بعد توقيع قائد القيادة الوسطى آفي بلوط أمرًا عسكريًا يسمح للمحاكم العسكرية بفرض عقوبة الإعدام على فلسطينيين تدينهم إسرائيل بتنفيذ هجمات قاتلة.

 

وتأتي الخطوة بعد إقرار الكنيست القانون في 30 مارس 2026، لتدفع حكومة بنيامين نتنياهو وإيتمار بن غفير القضاء العسكري نحو مسار أشد عنصرية، حيث يصبح الأسير الفلسطيني أمام حكم نهائي لا يفتح باب العفو أو التخفيف، بينما يبقى الإسرائيليون اليهود خارج الآلية نفسها.

 

قانون يستهدف الفلسطينيين باسم الأمن

 

بدأ المسار الجديد بتعديل عسكري وقع عليه آفي بلوط في الضفة الغربية، بناء على طلب وزير الدفاع يسرائيل كاتس، بعد أسابيع من تمرير الكنيست قانون عقوبة الإعدام، بما جعل المحاكم العسكرية ملزمة بتطبيق الحكم كعقوبة أساسية في قضايا الهجمات التي تسفر عن مقتل إسرائيليين.

 

وبموجب الصيغة المنشورة، لا يبقى أمام المحكمة العسكرية سوى استثناء ضيق يسمح بالسجن المؤبد بدل الإعدام عند وجود ظروف خاصة، وهي صيغة تجعل العقوبة الأصلية هي القتل القانوني، لا النظر القضائي المتدرج، وتضع حياة الأسرى الفلسطينيين تحت قرار عسكري وسياسي مشترك.

 

كما صاغ كاتس وبن غفير البيان المشترك بلغة انتقامية صريحة، حين قالا إن من يقتل يهودًا لن يعتمد بعد الآن على صفقات تبادل أو ظروف احتجاز أو أمل في الإفراج، وهو خطاب ينقل القانون من خانة العقوبة إلى خانة تصفية الأفق السياسي للأسرى.

 

وفي هذا المحور، تخدم قراءة إريكا غيفارا روساس، المديرة الرفيعة في منظمة العفو الدولية، جوهر المسألة، لأنها اعتبرت القانون عرضًا علنيًا للقسوة والتمييز واحتقار حقوق الإنسان، ورأت أنه يمنح إسرائيل تفويضًا لإعدام الفلسطينيين مع نزع ضمانات المحاكمة العادلة.

 

محاكم عسكرية بأغلبية بسيطة وضمانات أقل

 

ينص القانون على تمكين المحاكم العسكرية في الضفة من إصدار أحكام الإعدام في القضايا المصنفة إسرائيليًا إرهابية، كما يسمح بالحكم بأغلبية بسيطة من القضاة بدل الإجماع، ويمنع العفو أو تخفيف الحكم بعد صدوره النهائي، مع اشتراط التنفيذ خلال 90 يومًا.

 

وبهذا المعنى، لا يضيف القانون عقوبة فقط، بل يهدم طبقات كاملة من الحذر المفترض في قضايا الحياة والموت، لأن الإعدام عقوبة لا يمكن إصلاحها بعد التنفيذ، وحين يضاف إليها قضاء عسكري وأغلبية بسيطة ومنع العفو، تصبح النتيجة أقرب إلى الإعدام السياسي.

 

كذلك يبرز الخطر الأكبر في أن المحاكم العسكرية الإسرائيلية تختص عمليًا بالفلسطينيين في الضفة الغربية، بينما يحاكم الإسرائيليون أمام المحاكم المدنية، وهو ما يصنع نظامين قضائيين داخل واقع احتلال واحد، حيث يواجه الفلسطيني عقوبة الموت، بينما ينال الإسرائيلي مسارًا قانونيًا مختلفًا.

 

وفي هذا السياق، يخدم رأي آدم كوغل، نائب مدير قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش، محور التمييز القانوني، إذ قال إن المسؤولين الإسرائيليين يقدمون الإعدام كأمن، لكنه في الحقيقة يرسخ نظام عدالة مزدوجًا وتمييزيًا، مع قيود على الاستئناف وجدول تنفيذ سريع.

 

إدانات فلسطينية ودولية لا توقف آلة التشريع

 

أدانت حركة حماس القرار واعتبرته تصعيدًا خطيرًا وانتهاكًا صارخًا للأعراف والقوانين الدولية، وقالت إن سياسة الإعدام والاغتيال والتهديد لن تثني الفلسطينيين عن مواصلة نضالهم، كما دعت الأمم المتحدة والمؤسسات الحقوقية والقانونية إلى الضغط لإلغاء القرار ومحاسبة قادة الاحتلال.

 

وبينما تصف إسرائيل القانون بأنه أداة ردع، ترى الفصائل الفلسطينية أنه تهديد مباشر لحياة الأسرى وامتداد لسياسة الإجرام المنظم، لأن الأسرى لم يعودوا يواجهون فقط العزل والتجويع والتحقيق والاحتجاز الطويل، بل صاروا أمام باب تشريعي يمنح الدولة سلطة إعدامهم.

 

كما عبرت ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا عن قلقها من الطابع التمييزي للقانون قبل تمريره، واعتبرت منظمات حقوقية أن القانون يخالف اتجاهًا دوليًا واسعًا نحو إلغاء الإعدام، ويهدد حق الحياة وضمانات المحاكمة، خصوصًا في ظل تعريفات فضفاضة لما تسميه إسرائيل إرهابًا.

 

وهنا يخدم موقف مركز عدالة القانوني محور القانون الدولي، إذ اعتبر أن التشريع يخلق نظامًا قانونيًا مزدوجًا، ويستهدف الفلسطينيين بينما يستثني الإسرائيليين اليهود، وينتهك الحق في الحياة، كما يطبق سياسة دولة الاحتلال داخل الضفة بما يتعارض مع قواعد إدارة الأراضي المحتلة.

 

أكتوبر 2023 بوابة لمحاكم استثنائية أوسع

 

لم تقف حكومة الاحتلال عند قانون 30 مارس 2026، فقد أقر الكنيست في مايو 2026 مشروعًا منفصلًا لإنشاء محكمة خاصة تنظر في قضايا متهمين بالمشاركة في هجوم 7 أكتوبر 2023، وتملك صلاحية إصدار أحكام إعدام ضمن محاكمات علنية ومسيّسة.

 

وتكشف هذه الخطوة أن إسرائيل لا توسع الإعدام في ملف واحد، بل تبني منظومة قضائية استثنائية كاملة للفلسطينيين، تبدأ من الضفة الغربية وتنفتح على أسرى غزة ومتهمي 7 أكتوبر، بما يحول المحاكمة من بحث عن عدالة إلى منصة ردع وانتقام.

 

كما حذرت منظمات حقوقية من أن هذه المحاكمات قد تعرض المتهمين لضغط سياسي وإعلامي واسع، وتضعف ضمانات الدفاع، خصوصًا مع الحديث عن بث المحاكمات علنًا وقصر الاستئناف على مسارات خاصة، وهي إجراءات تجعل صورة العقاب أهم من شروط العدالة.

 

وفي النهاية، يضع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين الاحتلال أمام صورته العارية، فالدولة التي تتحدث عن القضاء تستخدم المحاكم العسكرية لتثبيت عقوبة موجهة إلى شعب تحت الاحتلال، وتمنع العفو، وتسرّع التنفيذ، وتفتح باب الإعدام لا كاستثناء قضائي بل كسياسة حكم وانتقام.