وضعت منظمة مراسلون بلا حدود دولة الإمارات العربية المتحدة في مرتبة متأخرة ضمن مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026، في تصنيف يعكس، بحسب المنظمة، تصاعد القيود المفروضة على العمل الصحفي وتضييق المساحات المتاحة للتعبير المستقل، سواء داخل البلاد أو خارجها.
ووفق التقرير، جاءت الإمارات في المرتبة (158) من أصل (180) دولة، في مؤشر يعكس حالة البيئة الإعلامية ومدى استقلالها، حيث أشارت المنظمة إلى أن السلطات تمارس نهجًا ثابتًا للحد من الأصوات المعارضة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على طبيعة التغطية الإعلامية واتجاهاتها.
تضييق داخلي و ملاحقة بالخارج
يبرز التقرير جانبًا لافتًا يتمثل في ملاحقة الصحفيين الإماراتيين خارج الحدود، حيث أفاد بأن بعضهم يواجه ضغوطًا أو مضايقات قد تصل إلى الاعتقال، بل والتسليم إلى السلطات الإماراتية في حالات معينة، وهو ما يثير تساؤلات حول امتداد أدوات الرقابة خارج الإطار الجغرافي للدولة.
ويرى التقرير أن هذا النهج يسهم في خلق مناخ من الخوف والرقابة الذاتية، يدفع كثيرًا من الصحفيين إلى تجنب تناول قضايا حساسة تتعلق بالشأن السياسي أو الأمني.
تصاعد القيود في سياق إقليمي متوتر
وأشار التقرير إلى أن عام 2026 شهد تشديدًا ملحوظًا في القيود المفروضة على الإعلام، خاصة في أعقاب تداعيات التوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، والتي انعكست بدورها على السياسات الداخلية، بما في ذلك الرقابة على التغطيات الإعلامية المرتبطة بالأحداث الأمنية والعسكرية.
هيمنة حكومية على المشهد الإعلامي
ويكشف التقرير عن هيكل ملكية وسائل الإعلام في الإمارات، حيث تسيطر مؤسسات مقربة من الحكومة على غالبية المنصات الإعلامية، وهو ما يحدّ من التعددية الإعلامية.
وتُعد صحيفة الخليج من أبرز الصحف المحلية من حيث الانتشار، فيما تُعتبر صحيفة الاتحاد أول صحيفة في تاريخ الدولة، وتخضع لتمويل رسمي عبر مؤسسات إعلامية حكومية.
كما تحظى الصحف الصادرة باللغة الإنجليزية مثل Gulf News وThe National بنفوذ واسع، خاصة بين الأوساط الدولية والمقيمين الأجانب.
أطر تنظيمية ورقابية مشددة
ويتولى المجلس الوطني للإعلام تنظيم قطاع الإعلام في الإمارات، إلا أن التقرير يشير إلى أن هذا الدور يترافق مع فرض قيود صارمة على المحتوى، لا سيما ما يتعلق بانتقاد السياسات الحكومية أو ما يُصنف كتهديد لـ"التماسك الاجتماعي"، وهي مصطلحات فضفاضة تُستخدم – بحسب التقرير – لتبرير حجب أو معاقبة المحتوى المخالف.
ولا تقتصر هذه القيود على وسائل الإعلام المحلية، بل تمتد لتشمل المؤسسات الأجنبية العاملة داخل الدولة، والتي تخضع لنفس القواعد الرقابية، مع إمكانية فرض عقوبات في حال المخالفة.
تشريعات مقيّدة وبيئة قانونية صارمة
رغم أن الدستور الإماراتي ينص على ضمان حرية التعبير، فإن الواقع التشريعي يفرض قيودًا واسعة، حيث تُجرّم القوانين الصادرة منذ عام 1980 نشر أي محتوى يُعتبر مسيئًا للدولة أو لقياداتها أو للدين أو للاقتصاد.
كما يبرز قانون الجرائم الإلكترونية، الصادر عام 2012 والمُعدّل في 2021، كأداة رئيسية في ملاحقة الصحفيين والنشطاء، إذ يفرض عقوبات تصل إلى السجن والغرامة على نشر ما يُصنّف كـ"شائعات" أو معلومات مضللة.
استثمارات إعلامية مقابل قيود تحريرية
وعلى الرغم من هذه القيود، تستثمر الإمارات بشكل كبير في قطاع الإعلام، حيث تحولت إمارة دبي إلى مركز إقليمي بارز يستضيف مكاتب لعدد من وكالات الأنباء الدولية والشبكات التليفزيونية، ما يعكس مفارقة بين الانفتاح الاقتصادي والتقييد التحريري.
الرقابة الذاتية وثقافة الولاء
يلفت التقرير إلى أن المناخ الإعلامي في الإمارات يتأثر بثقافة سياسية قائمة على الولاء للعائلة الحاكمة، وعلى رأسها آل نهيان، حيث يُقابل أي انتقاد بالرفض أو الاتهام بعدم الولاء، ما يعزز من ظاهرة الرقابة الذاتية بين الصحفيين.
مراقبة إلكترونية ومخاطر أمنية
وفي الجانب الأمني، تشير المنظمة إلى أن السلطات طورت أدوات متقدمة للمراقبة الرقمية، تستهدف الصحفيين والمدونين، الذين قد يتعرضون للمساءلة القانونية لمجرد نشر آراء ناقدة.
وغالبًا ما تُوجَّه إليهم تهم مثل التشهير أو إهانة الدولة أو نشر معلومات كاذبة، وهي اتهامات قد تفضي إلى أحكام بالسجن لفترات طويلة، وسط تقارير عن سوء المعاملة أثناء الاحتجاز.
ضغوط متزايدة على التغطية الميدانية
وفي سياق متصل، وثّق التقرير تعرض عدد من الصحفيين في عام 2026 للترهيب والاستجواب بسبب تغطيتهم للضربات الإيرانية التي استهدفت الإمارات، والتي جاءت في إطار التصعيد الإقليمي، ما يعكس حساسية التغطيات المرتبطة بالأمن القومي.

