حذرت المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيز من أثينا من أن إسرائيل ستستغل مخاوف اليونان وانعدام ثقتها لخدمة مصالحها الأمنية والتجارية، خلال فعالية للتعريف بكتابها عن فلسطين، لتضع العلاقة اليونانية الإسرائيلية أمام اتهام سياسي مباشر بعد الهجوم على أسطول الصمود قرب كريت.

 

تربط تصريحات ألبانيز بين صمت أثينا على اعتراض قوارب إنسانية في المياه الدولية وبين شراكات السلاح والتجسس مع تل أبيب، لأن حكومة تتجاهل حصار غزة منذ 2007 وتترك ناشطين مدنيين تحت الاعتقال تمنح الاحتلال مساحة إضافية تجاه أوروبا لتسويق حربه كأمن مشترك.

 

أثينا تحت ضغط ألبانيز بعد اتهام إسرائيل باستغلال الخوف اليوناني

 

بداية قالت ألبانيز إن اليونان تعتقد أنها اختارت الوقوف مع إسرائيل لضمان السلام في مواجهة تهديدات خارجية، لكنها أكدت أن إسرائيل هي التي اختارت اليونان، وأن تل أبيب تستخدم مخاوف أثينا وانعدام الثقة داخلها لتحقيق مصالحها الخاصة في شرق المتوسط.

 

ثم نقلت ألبانيز النقاش من مستوى التحالف السياسي إلى مستوى المساءلة، حين طالبت بمحاسبة كل من يجري صفقات أسلحة أو سلع بين إسرائيل واليونان، ودعت إلى فتح مسارات تحقيق عبر البرلمان والصحافة الاستقصائية لكشف ما يجري خلف العناوين الأمنية الرسمية.

 

كذلك ربطت ألبانيز صفقات السلاح بمنطق التجريب الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وقالت إن إسرائيل تستخدم فلسطين مختبرا لتجربة الأسلحة وبرامج التجسس قبل تسويقها لدول أخرى، وهو اتهام يضع كل شريك أوروبي أمام مسؤولية قانونية وسياسية لا أمام تعاون تجاري عادي.

 

وفي هذا الإطار تبدو اليونان أمام امتحان محدد بعد جدل داخلي واسع بشأن صمت سلطاتها على الهجوم الإسرائيلي ضد أسطول الصمود العالمي، لأن الحادث وقع في المياه الدولية على بعد أميال قليلة من المياه الإقليمية اليونانية، لا في منطقة بعيدة عن رقابتها السياسية.

 

لهذا قالت منظمات مدنية وحقوقية يونانية، بينها مسيرة إلى غزة اليونان، إن الهجوم الإسرائيلي جرى بتعاون مباشر من اليونان، وهو اتهام يضاعف الضغط على حكومة أثينا ويحوّل الصمت الرسمي من موقف دبلوماسي إلى شبهة تواطؤ تحتاج إلى كشف ومحاسبة.

 

أسطول الصمود يكشف حدود القانون عندما تحمي أوروبا الاحتلال

 

لاحقا أبحرت مهمة ربيع 2026 التابعة لأسطول الصمود العالمي من جزيرة صقلية الإيطالية في 26 أبريل، بعد استكمال استعداداتها الأخيرة، بهدف كسر الحصار الإسرائيلي على غزة وإيصال مساعدات إنسانية إلى الفلسطينيين الذين يواجهون الدمار والنزوح ونقص الإمدادات الأساسية.

 

بعد أيام شن الجيش الإسرائيلي مساء الأربعاء هجوما غير قانوني في المياه الدولية قبالة جزيرة كريت، مستهدفا قوارب تقل ناشطين مدنيين، لتتكرر صورة الاعتراض البحري التي تحاول تل أبيب فرضها كقاعدة ثابتة ضد أي مبادرة إنسانية تصل إلى غزة خارج تحكمها.

 

في السياق نفسه أكدت ألبانيز أن الاعتداء الإسرائيلي على أسطول الصمود يجب أن يحدث صدمة في أوروبا، لأن دولة الاحتلال لا تكتفي بحصار غزة بل تطارد القوارب في المياه الدولية، بينما تترك حكومات أوروبية القانون البحري رهينة لحسابات التحالف مع تل أبيب.

 

وبناء على ذلك تصبح تصريحات ألبانيز امتدادا لموقف حقوقي أوسع لا يساوي بين الضحية والجلاد، لأنها تضع الهجوم على الأسطول داخل سلسلة من الانتهاكات التي بدأت بحصار غزة منذ 2007، ثم تصاعدت مع حرب إبادة خلفت أكثر من 72 ألف شهيد و172 ألف جريح.

 

على المستوى الحقوقي قال مدير منظمة هيومن رايتس ووتش السابق كينيث روث إن حماية المدنيين في غزة لا تنفصل عن وقف الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل، لأن الدول التي تواصل تسليح تل أبيب بعد كل هذا العدد من الضحايا تمنح الانتهاكات غطاء عمليا لا تنديدا لفظيا.

 

ومن هذه الزاوية تبرز مفارقة مدريد وأنقرة عندما دعتا إلى موقف دولي موحد ضد اعتراض أسطول الصمود، بينما بقيت أثينا في موقع الدفاع الصامت عن حساباتها، رغم أن القوارب كانت أقرب إلى اليونان من غزة وكانت تحمل رسالة إنسانية لا تهديدا عسكريا.

 

غزة بين حصار 2007 وشراكات السلاح التي تطيل الإبادة

 

في العمق لا يمكن فصل الهجوم على أسطول الصمود عن واقع غزة، إذ يحاصر الاحتلال القطاع منذ 2007، وبات نحو 1.5 مليون فلسطيني من أصل 2.4 مليون بلا مأوى بعد تدمير مساكنهم خلال حرب الإبادة التي بدأت في 8 أكتوبر 2023 بدعم أمريكي.

 

ومع اتفاق وقف النار الذي جاء بعد عامين من الإبادة، بقيت غزة محاصرة وممزقة الخدمات، لأن وقف إطلاق النار لا يعالج وحده منع الغذاء والدواء وإغلاق الممرات، ولا يجيب عن سؤال المساعدات عندما تقابل إسرائيل سفنا مدنية بالقوة خارج مياهها الإقليمية.

 

في قراءة سياسية قال الباحث تريتا بارسي إن تغطية واشنطن وأوروبا لإسرائيل تجعل القانون الدولي انتقائيا، لأن الحكومات الغربية تطالب باحترام القواعد حين تخدم مصالحها ثم تعطل الأدوات نفسها عندما يتعلق الأمر بفلسطين أو بمحاسبة تل أبيب على جرائمها.

 

كذلك يوضح موقف ألبانيز من اليونان أن الخطر لا يقف عند سفينة أو قارب، بل يمتد إلى نمط أوروبي يقبل تحويل الخوف من الجيران والأزمات الإقليمية إلى باب لتوسيع التعاون الأمني مع إسرائيل، ولو كان الثمن تهميش الفلسطينيين وملاحقة المتضامنين معهم.

 

أما تجربة سبتمبر 2025 فقد انتهت أيضا بهجوم إسرائيلي على سفن الأسطول في أكتوبر من العام نفسه، واعتقال مئات الناشطين الدوليين قبل ترحيلهم، ما يعني أن تكرار الهجوم في 2026 لم يكن حادثا طارئا بل سياسة ثابتة لإحباط كسر الحصار.

 

وفي هذا المسار تصبح دعوة ألبانيز إلى التحقيقات البرلمانية والصحافة الاستقصائية مدخلا ضروريا لا ترفا سياسيا، لأن كشف صفقات السلاح والسلع وبرامج التجسس بين إسرائيل واليونان قد يوضح كيف تتحول معاناة الفلسطينيين إلى سوق أمني مربح في أوروبا.

 

ختاما تكشف واقعة أسطول الصمود أن إسرائيل لا تواجه فلسطين بمفردها، بل أن الكيان الصهيوني يتحرك داخل شبكة حكومات تصمت أو تتعاون أو تشتري خبرة أمنية مصنوعة فوق ركام غزة، ولذلك تبدو أثينا اليوم مطالبة بقرار واضح بين حماية القانون الدولي أو حماية شراكة ملطخة بدماء الفلسطينيين.