أثار مشروع ذا سباين لرجل الأعمال هشام طلعت مصطفى سؤالًا اقتصاديًا قاسيًا حول دور البنوك الحكومية في توجيه ودائع المصريين، لأن المشروع المعلن باستثمارات تتجاوز 1.4 تريليون جنيه يدخل في شراكة مع البنك الأهلي المصري، بينما تعاني المشروعات الصغيرة والمتوسطة من تراجع واضح في نصيبها من التمويل المصرفي.
وتتجاوز الأزمة حدود مشروع عقاري جديد، لأن بيانات البنك الأهلي المصري تكشف انتقالًا متزايدًا للائتمان نحو كبار العملاء، في وقت يرفع فيه الخطاب الرسمي شعارات الشمول المالي والإنتاج والتشغيل، ثم تذهب الكتلة الأكبر من السيولة إلى مشروعات ضخمة تملك النفوذ والضمانات والقرب من القرار.
تمويل عملاق يفتح ملف ودائع العملاء
في 18 أبريل 2026، شهد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إعلان مشروع ذا سباين داخل القاهرة الجديدة، وقالت مجموعة طلعت مصطفى إن استثمارات المشروع تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، وإن رأس المال المدفوع يبلغ 69 مليار جنيه في شراكة استراتيجية مع البنك الأهلي المصري.
وبعد الإعلان، طرح تقدير حصة البنك الأهلي المتداولة عند 24.5% سؤالًا مباشرًا عن حجم المخاطر التي يتحملها بنك حكومي يعتمد على ودائع العملاء، حتى لو لم تفصل البيانات الرسمية المنشورة نسبة المشاركة النهائية، لأن مجرد دخول البنك في مشروع بهذا الحجم يكشف أولوية واضحة في تخصيص التمويل.
ثم زادت التساؤلات لأن المشروع يقدم نفسه باعتباره مدينة معرفية ومركزًا للشركات العالمية، مع 165 برجًا ومساحات مفتوحة واسعة، بينما لا يجيب الإعلان عن سؤال التوازن بين تمويل هذه المشروعات العقارية الضخمة وتمويل آلاف المشروعات الصغيرة التي تبحث عن قروض تشغيلية أقل بكثير.
وفي هذا السياق، تصبح ودائع الأفراد جزءًا من معادلة سياسية واقتصادية غير عادلة، لأن البنك الأهلي أعلن أن إجمالي الودائع بلغ 3.7 تريليون جنيه في نهاية ديسمبر 2023، بينما بلغ صافي قروض العملاء 2.3 تريليون جنيه، وهو ما يضع قرار التوجيه الائتماني تحت رقابة عامة واجبة.
كما يدعم الخبير الاقتصادي هاني جنينة قراءة المخاطر المرتبطة بتكلفة التمويل، إذ ربط تحركات الفائدة بقدرة السوق على الاقتراض والاستثمار، ولذلك يؤدي توجيه السيولة إلى مشروعات كبرى إلى تضييق مساحة التمويل أمام شركات أصغر تتحمل أسعار فائدة مرتفعة وضمانات أصعب.
كبار العملاء يلتهمون الخريطة الائتمانية
في تقرير البنك الأهلي المصري لعام 2023، أعلن البنك أن محفظة التمويل المباشر لكبار الشركات وصلت إلى 1.96 تريليون جنيه بنهاية ديسمبر 2023، كما بلغ إجمالي قروض كبار الشركات المباشرة وغير المباشرة 2.1 تريليون جنيه، مقابل 1.50 تريليون جنيه في ديسمبر 2022.
وبسبب هذا التوسع، تظهر الفجوة واضحة عند مقارنة كبار العملاء بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة، لأن محفظة تلك المشروعات المباشرة وغير المباشرة في البنك الأهلي بلغت 156 مليار جنيه فقط بنهاية ديسمبر 2023، منها 10.6 مليار جنيه قروضًا غير مباشرة.
ثم تكشف الأرقام حجم الانحياز بصورة أوضح، لأن إجمالي محفظة القروض المباشرة في البنك بلغ 2.406 تريليون جنيه بنهاية ديسمبر 2023، بينما لم تتجاوز محفظة المشروعات الصغيرة والمتوسطة 156 مليار جنيه، أي أن وزنها الفعلي ظل بعيدًا عن الحديث الرسمي حول دعم هذا القطاع.
وفي المقابل، يلزم البنك المركزي البنوك بتخصيص نسبة لا تقل عن 25% من إجمالي محفظة التسهيلات الائتمانية للمشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، كما يشترط حدًا أدنى لصالح المشروعات الصغيرة، ولذلك تبدو أرقام البنك الأهلي بعيدة عن روح هذا التوجه حتى مع اختلاف طرق الحساب المصرفي.
وبناء على ذلك، لا تبدو المشكلة في نقص السيولة، لأن البنك الأهلي نفسه أعلن أرباحًا صافية بقيمة 70.7 مليار جنيه في 2023، وأعلن أصولًا إجمالية تبلغ 5.2 تريليون جنيه، لكن المشكلة تظهر في أولوية منح الائتمان لمن يملك الحجم والنفوذ والقدرة على الوصول.
وفي قراءة أوسع، سبق للدكتورة عالية المهدي أن ربطت ضعف المشروعات الصغيرة بالسياسات الحكومية التي تتعامل مع هذا القطاع من منطلق الجباية وضعف الدعم، وهو ما يفسر استمرار فجوة التمويل رغم أن هذه المشروعات تمثل قاعدة التشغيل الأوسع في الاقتصاد.
المشروعات الصغيرة تدفع ثمن تركيز المخاطر
بعد هذا التحول، يصبح تمويل ذا سباين مؤشرًا على تركيز أكبر للمخاطر داخل عدد محدود من العملاء والقطاعات، لأن البنوك الحكومية لا تمول مشروعًا عاديًا فقط، بل تعيد إنتاج نموذج يفضل العقار والمشروعات العملاقة على الصناعة الصغيرة والخدمات الإنتاجية المحلية.
ومع أن البنك المركزي منح البنوك مددًا إضافية للوصول إلى نسبة 25% من محافظها الائتمانية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، فإن استمرار التمديد يكشف أن التعليمات وحدها لا تكفي عندما تبقى حوافز البنوك منحازة نحو كبار العملاء والصفقات الكبرى.
ثم يظهر التناقض في الخطاب المصرفي نفسه، لأن اتحاد بنوك مصر عين أحمد فؤاد رئيسًا للجنة المشروعات الصغيرة والمتوسطة في أبريل 2026، وأكدت أخبار مصرفية أن القطاع يمثل أحد محركات النمو وخلق فرص العمل، بينما تكشف أرقام الإقراض أن هذا الاعتراف لا يترجم إلى نصيب عادل من الائتمان.
كما قال أحمد فؤاد في ديسمبر 2025 إن البنوك المصرية طورت منظومة لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وإن محافظ التمويل المخصصة لهذا القطاع شهدت نموًا خلال السنوات الماضية، غير أن بيانات البنك الأهلي تضع هذا الكلام أمام اختبار النسبة الفعلية من إجمالي القروض لا أمام اختبار الزيادة الاسمية فقط.
ولذلك، لا يكفي أن ترتفع محفظة المشروعات الصغيرة بالأرقام المطلقة إذا كان نصيبها النسبي يتراجع أمام قروض كبار العملاء، لأن العدالة الائتمانية تقاس بقدرة صاحب مشروع صغير أو مصنع متوسط على الوصول إلى التمويل، وليس بقدرة مطور عقاري كبير على إغلاق صفقة تريليونية.
وفي السياق نفسه، تشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن كثيرًا من المشروعات الصغيرة والمتوسطة في مصر لا تحصل على تمويل مصرفي، وأن عددًا كبيرًا من المشروعات المؤهلة لا يصل إلى القروض بسبب الوثائق المطلوبة وضعف الوعي المالي وشروط البنوك التقليدية.
ومن هنا، تتحول قضية ذا سباين إلى عنوان أوسع لاختلال سياسة الائتمان في مصر، لأن الحكومة تترك البنوك العامة تفضل كبار المقترضين، ثم تطالب الاقتصاد بتشغيل الشباب وتوسيع الإنتاج والصادرات، بينما تمنح المشروعات الصغيرة نصيبًا محدودًا من المال العام المودع في البنوك.

