في سابقة رقمية تعكس حجم الاحتقان الإقليمي غير المسبوق، تحولت منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام القليلة الماضية إلى ساحة لسيناريوهات سياسية "افتراضية" تتجاوز حدود النقد التقليدي إلى المطالبة بتغيير جذري في رأس الهرم السياسي لدولة الإمارات العربية المتحدة. لم يعد الحديث مقتصراً على انتقاد السياسات الخارجية، بل تطور إلى تداول أنباء -تفتقر إلى المصادر الرسمية ولكنها غنية بالدلالات السياسية- حول حراك لعزل رئيس الدولة وحاكم أبوظبي الشيخ محمد بن زايد، وتولية حاكم الشارقة الشيخ الدكتور سلطان القاسمي رئاسة الاتحاد.

 

هذا الجدل، وإن كان يبدو في ظاهره "أمنيات" لنشطاء عرب وسودانيين ويمنيين اكتووا بنيران السياسات الإماراتية، إلا أنه يكشف عن قراءة عميقة لأزمة ثقة تضرب صورة "الدولة الاتحادية". فالمراقبون يرون في هذه الدعوات انعكاساً لمخاوف حقيقية من أن تؤدي سياسات أبوظبي "المتهورة" في ملفات السودان وغزة واليمن، فضلاً عن التطبيع المتسارع، إلى عزل الدولة دولياً أو تعرضها لعقوبات قاسية، مما يستدعي -بحسب وجهة النظر هذه- تدخلاً من حكام الإمارات الأخرى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

 

المشهد الرقمي انقسم بين من يرى في "الشارقة" وحاكمها طوق نجاة أخلاقي وسياسي، وبين من يرى أن الهيكل الاتحادي كله شريك في "الغلة"، وبين تيار ثالث يرى أن هذه الدعوات مجرد "أحلام يقظة" لا تصمد أمام سطوة أبوظبي الأمنية والمالية.

 

"انقلاب الضرورة".. الغضب الإقليمي والخوف من العزلة الدولية

 

المحرك الرئيسي لهذه الموجة من التدوين ليس الشأن الداخلي الإماراتي بقدر ما هو "فاتورة الدم" في المحيط العربي. النشطاء، خاصة من السودان، يرون أن استمرار محمد بن زايد في المشهد يعني استمرار الحروب الأهلية. حسابات مثل المواطن السوداني "عبدالرحمن الشريف"، الذي يبدو خبيراً بالداخل الإماراتي بحكم إقامته السابقة في الشارقة، عبرت عن قناعة بوجود تململ صامت داخل قصور الحكم.

 

الشريف أشار بوضوح إلى ما وصفه بـ "تحفظات وعدم رضا" من حاكمي الشارقة ودبي تجاه سياسات أبوظبي، رابطاً ذلك بالخوف من العقوبات الدولية التي قد تطال الكيان الاتحادي ككل بسبب التورط في جرائم حرب. وطرح الشريف سيناريو "العزل" كحل وحيد للحفاظ على وحدة الاتحاد، مقترحاً بقاء بن زايد حاكماً لأبوظبي فقط مع تجريده من الرئاسة الاتحادية.

 

 

هذا الطرح أيده قطاع واسع من المغردين الذين رأوا أن "المواجهة أصبحت حتمية". حساب (@MhsnMry933) ذهب إلى أبعد من ذلك، مفترضاً وجود "كره" من سلطان القاسمي لنهج "شيطان العرب" – وهو اللقب الذي بات ملازماً لسياسات أبوظبي في أدبيات المعارضة العربية.

 

 

وفي السياق ذاته، لم تكن المطالبات مجرد تمنيات، بل صيغت كدعوات للتحرك السياسي قبل فوات الأوان. الناشط السياسي السوداني الدكتور أحمد مقلد، ومعه حسابات أخرى مثل (@Rowan)، طالبوا صراحة بخروج أبوظبي من الاتحاد أو عزل حاكمها، معتبرين أن "الشعوب العربية تدعم حاكم الشارقة" لقيادة الدولة واستعادة "حكمة زايد الخير" التي يرون أنها فُقدت.

 

 

الشارقة كرمز للمقاومة الصامتة.. بين "حركة الانفصال" والخوف من الاغتيال

 

الزاوية الأكثر إثارة في هذا الجدل هي استحضار إمارة "الشارقة" كبديل أيديولوجي وسياسي لأبوظبي. الكاتب التركي محمد صديق يلدريم قدم قراءة جيوسياسية لافتة، متحدثاً عن "حركة انفصالية نشطة"، مشيراً إلى أن الشارقة، المعروفة بطابعها الإسلامي والثقافي المحافظ، تكتسب زخماً متزايداً نتيجة الاستياء الجذري من تحالفات أبوظبي مع الكيان الصهيوني. يلدريم يرى أن الاتحاد ليس "موحداً" كما يبدو، وأن الشرخ العقائدي بين الإمارتين بات أوسع من أن يُرقع.

 

هذا التباين جعل من الشيخ سلطان القاسمي رمزاً لما يصفه البعض بـ "آخر الرجال المحترمين". حساب (@Blak970) وصفه بـ "سلطان الإمارات القادم"، في تعبير عن رغبة شعبية عربية في رؤية وجه للإمارات لا يرتبط بالمؤامرات والحروب.

 

 

 

لكن هذه الرمزية لم تخلُ من القلق. فمع انتشار وسم #الشارقة_قضيتي، بدأ النشطاء يخشون من رد فعل انتقامي من أبوظبي تجاه الشارقة وحاكمها. الناشط (@ozeel1987) حمل محمد بن زايد المسؤولية الكاملة عن سلامة القاسمي، مما يعكس قناعة لدى الجمهور بأن الصراع الداخلي قد يتحول إلى تصفية حسابات جسدية، خاصة مع تاريخ أبوظبي في التعامل مع الخصوم.

 

 

 

 

وزاد من حدة هذا الاحتقان تسريبات واعترافات منسوبة لشخصيات أمنية سابقة، مثل الضابط "أبو ماجد البلوشي"، الذي قدم اعتذاراً علنياً للشعب اليمني، معترفاً بدور بلاده في التقسيم وزرع الفتن، وهي شهادات تُستخدم الآن كوقود لتبرير ضرورة "التغيير من الداخل".

 

"كلهم في الخراب شركاء".. الاقتصاد الخفي ينسف نظرية "البديل النزيه"

 

رغم الصورة الرومانسية التي رسمها البعض للشارقة كبديل طاهر، برز تيار آخر مدعوم بتحقيقات استقصائية ينسف هذه السردية، مؤكداً أن منظومة الحكم في الإمارات مترابطة مصحلياً بشكل لا يسمح بالبراءة لأي طرف. الصحفي نظام مهداوي (@NezamMahdawi) كان الصوت الأبرز في هذا الاتجاه، حيث كشف عن الوجه الآخر للشارقة: "عاصمة تهريب ذهب السودان".

 

مهداوي أوضح بالوثائق والصور أن شركة "كالوتي"، المملوكة لمنير الكالوتي، والتي تعد الذراع الرئيسية لغسيل وتهريب الذهب المنهوب من قبل ميليشيا الدعم السريع في السودان، تتخذ من الشارقة مقراً رئيسياً لها. وبحسب مهداوي، فإن الذهب الذي يمول الحرب وتدمير الخرطوم يصب مباشرة في مصافي الشارقة، ومنها إلى سويسرا، مستفيداً من لوائح تنظيمية متساهلة في دبي تسمح بنقل الذهب في حقائب اليد.

 

هذه الحقائق الاقتصادية دفعت مغردين مثل خالد طاهر (@KahledTaher) للقول باختصار: "كلهم بيعة واحدة". ففي حين قد تختلف التوجهات الثقافية أو الخطب العلنية بين حاكم وآخر، تبقى المصالح الاقتصادية والأمنية شبكة واحدة. فالذهب الذي يخرج من السودان يمر عبر دبي ويُصفى في الشارقة بقرار سياسي من أبوظبي، مما يجعل الحديث عن "براءة" طرف وإدانة آخر أمراً معقداً.