أعاد الكاتب الصحفي وائل قنديل فتح الجرح الذي تحاول القاهرة الرسمية القفز فوقه، بعد دعوة وزارة الخارجية إلى تشكيل قوة عربية مشتركة وتفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك لحماية الأمن الإقليمي. وسأل قنديل بوضوح: أين كان هذا الحماس نفسه حين كانت غزة تُدمر على مدار شهور، بينما ظلت مصر الرسمية شريكًا في الحصار السياسي والإنساني، لا طرفًا في كسره؟
الخارجية تستدعي القوة بعد تبدل الخطر
خلال اتصالات أجراها وزير الخارجية بدر عبد العاطي مع عدد من نظرائه العرب في 11 و14 مارس 2026، شددت القاهرة على أولوية تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، واستحداث آليات أمنية فاعلة، وفي مقدمتها تشكيل قوة عربية مشتركة، بهدف حماية الأمن القومي العربي ومقدرات دول الإقليم من التهديدات المستقبلية. كما ربطت هذه الدعوة بالتصعيد العسكري الأوسع في المنطقة، وخصوصًا بعد اتساع الحرب المرتبطة بإيران والخليج.
المشكلة ليست في المبدأ المجرد، بل في التوقيت والمعيار. فالدولة نفسها التي تتحدث الآن عن “آليات أمنية فاعلة” و”قوة عربية مشتركة” ظلت طوال حرب غزة تراهن على خطاب الوساطة المنضبط، من دون أن تدفع فعليًا نحو مظلة عربية ردعية توقف المذبحة أو تكسر منطق الحصار. هذا التحول المفاجئ يجعل سؤال وائل قنديل مشروعًا: لماذا يصبح الأمن العربي أولوية عملية فقط عندما يقترب الخطر من الخليج أو يهدد توازنات الإقليم التي تعني الأنظمة؟
أستاذ العلوم السياسية حسن نافعة يرى أن استدعاء فكرة القوة العربية المشتركة في هذه اللحظة يكشف انتقائية مزمنة في تعريف “الأمن القومي العربي”. فحين تكون فلسطين هي ساحة العدوان المباشر، يجري اختزال الدور في البيانات والوساطة، أما حين تهتز عواصم النفط أو تقترب النيران من خرائط النفوذ الإقليمي، يعود الحديث فجأة عن أدوات الردع والعمل العسكري المشترك.
سؤال غزة الذي يفضح القاهرة
تعليق وائل قنديل لا يكتفي بنقد الخارجية، بل يضعها أمام تناقض لا يمكن ستره بسهولة. فإذا كانت القاهرة ترى في القوة العربية المشتركة ضمانة وحيدة لحماية السيادة العربية، كما ورد في بعض الصياغات الإعلامية، فإن أول امتحان منطقي لهذا المبدأ كان ينبغي أن يكون في غزة، لا بعد اتساع الحرب إلى ساحات أخرى.
هذا التناقض يزداد وضوحًا حين نتذكر أن غزة لم تكن تتعرض فقط لضربات عسكرية، بل أيضًا لخنق متعدد الأبعاد شمل المعابر والإغاثة وملف الإعمار والضغط السياسي على المقاومة. ومن هنا تأتي حدة عبارة قنديل عن أن غزة كانت “تُخنق وتُحاصر بالخذلان من كل جانب”. فالرجل لا يهاجم غياب القوة العربية فحسب، بل يطعن في صدقية من يطرحها اليوم كأنه اكتشف فجأة معنى الأمن الجماعي.
الباحث في الشؤون الفلسطينية عبد الستار قاسم كان قد حذر، في أكثر من مناسبة، من أن بعض الأنظمة العربية تتعامل مع غزة باعتبارها عبئًا أمنيًا لا قضية تحرر وطني، ولذلك تتحرك فقط عندما يتحول الخطر إلى تهديد مباشر لبناها الإقليمية. هذه القراءة تساعد على فهم لماذا بدت فلسطين خارج أولويات “الدفاع المشترك” طوال أشهر الدم، ثم عادت إلى الهامش مجددًا مع انتقال مركز القلق إلى الخليج.
قوة للعرب أم لحماية الأنظمة
تاريخ مشروع “القوة العربية المشتركة” نفسه يفسر جزءًا من الشكوك الراهنة. الفكرة طُرحت قبل نحو 10 سنوات، ثم جرى تجميدها عمليًا تحت وطأة الخلافات العربية وتباين تعريفات العدو والتهديد. واليوم تعود الفكرة من البوابة نفسها تقريبًا: حماية الدول، لا الشعوب، وصون الاستقرار الإقليمي كما تراه الأنظمة، لا كما تفرضه أولويات التحرر والعدالة.
لهذا يبدو تعليق وائل قنديل أكثر من مجرد مداخلة سياسية غاضبة. هو اتهام مباشر بأن القاهرة لا تستدعي مفردات “العروبة” و”الدفاع المشترك” إلا عندما تخدم حسابات النظام أو علاقاته الخليجية أو موقعه التفاوضي. أما حين يتعلق الأمر بغزة، حيث يكون المطلوب موقفًا مكلفًا في مواجهة إسرائيل، فإن اللغة تنكمش إلى حدود إدارة الأزمة لا مواجهتها.
ويقول الباحث في العلاقات الدولية طارق فهمي إن المعضلة الأساسية ليست فقط في غياب الأدوات، بل في غياب التوافق على تعريف الأولويات. فهل صُممت القوة العربية المشتركة أصلًا لردع إسرائيل، أم لضبط الإقليم ومنع الانفجارات التي تهدد الأنظمة؟ هذا السؤال، برأيه، يفسر لماذا تظهر الفكرة في لحظات معينة وتختفي في أخرى، ولماذا تبقى غزة خارج التطبيق العملي رغم أنها أوضح ساحات العدوان.
في المحصلة، فإن سؤال وائل قنديل يصيب قلب الأزمة: لا معنى للحديث عن قوة عربية مشتركة إذا كانت تُستدعى فقط عندما تُصاب العواصم الحليفة بالقلق، وتُدفن عندما تُسحق غزة تحت القصف والحصار. ما تفعله القاهرة الآن ليس إحياءً صادقًا لفكرة الدفاع العربي، بل إعادة تسويق انتقائية قديمة بثوب أمني جديد. وبين غزة والخليج، يتضح مرة أخرى أن أولويات النظام لا يحددها ميزان الدم، بل ميزان السلطة والتحالفات.

