ضرب صاروخ إيراني، اليوم الإثنين 16 مارس، وسط إسرائيل، فيما تسببت شظايا وصواريخ اعتراضية متناثرة في سقوط قتلى وجرحى وأضرار في مواقع متعددة، بينها منشآت ومبانٍ وطرق في نطاق الوسط الإسرائيلي. وتؤكد المعطيات الأولية أن الهجوم لم يكن حادثًا معزولًا، بل جزءًا من موجة متواصلة تُظهر أن إيران ما زالت قادرة على إصابة العمق الإسرائيلي رغم الضربات الأمريكية والإسرائيلية المستمرة منذ 28 فبراير.

 

ضربة اليوم وحصيلة أولية

 

التقارير المتاحة حتى الآن تشير إلى أن صفارات الإنذار دوت في وسط وجنوب إسرائيل، مع رصد سقوط شظايا في عدة مواقع بعد اعتراض صواريخ إيرانية. وذكرت التغطية الحية لصحيفة نيويورك تايمز أن الصواريخ الإيرانية أطلقت إنذارات في وسط وجنوب إسرائيل اليوم الإثنين، فيما تحدثت الجزيرة عن إصابة مواقع متعددة في الوسط نتيجة شظايا صاروخ إيراني جرى اعتراضه.

 

كما أوردت منصات إخبارية، نقلًا عن خدمات الطوارئ الإسرائيلية، أن شخصًا واحدًا قُتل وأصيب آخرون بجروح متفاوتة بعد سقوط الصاروخ أو شظاياه في 6 مواقع بوسط إسرائيل. وذكرت رويترز في تغطية سابقة من مطلع مارس أن سقوط الشظايا في منطقة تل أبيب الكبرى أدى بالفعل إلى إصابات وفتح تحقيقات إسرائيلية في ظروف الضربات، ما يعزز فرضية أن الخطر لا يقتصر على الإصابة المباشرة، بل يمتد أيضًا إلى مخلفات الاعتراض نفسها.

 

ويقول اللواء سمير فرج، الخبير العسكري المصري، إن الهجوم الصاروخي على العمق لا يُقاس فقط بعدد القتلى، بل بقدرته على شل الحياة وضرب الثقة في منظومة الإنذار والدفاع الجوي. فحين تسقط الشظايا في مناطق مأهولة أو قرب مواقع حساسة، فإن الأثر النفسي والسياسي يصبح أوسع من الأثر العسكري المباشر.

 

الشظايا ليست تفصيلًا هامشيًا

 

اللافت أن جزءًا متزايدًا من الخسائر داخل إسرائيل بات ناتجًا عن الشظايا والذخائر المتناثرة لا عن الصاروخ الكامل فقط. فقد نشرت تايمز أوف إسرائيل قبل يومين أن قنبلة عنقودية أطلقها صاروخ إيراني أصابت رقعة واسعة من وسط إسرائيل وتسببت في إصابات، فيما أظهرت لقطات الشرطة الإسرائيلية إحدى الذخائر الفرعية وهي تضرب منطقة في الوسط.

 

هذه النقطة بالغة الأهمية عند قراءة هجوم اليوم. فالشظايا التي تصيب مباني أو طرقًا أو منشآت اتصالات أو مرافق خدمية قد تخلّف أثرًا حقيقيًا حتى إن لم يكن الهدف الأصلي قد أصيب مباشرة. كما أن الانتشار الواسع للشظايا يجعل الحديث عن “منشآت حيوية وهامة” قابلًا للفهم في السياق الميداني، لكن من دون الجزم باسم منشأة بعينها ما لم يصدر تأكيد موثق.

 

الباحث في الشؤون الإسرائيلية مايكل ميلشتاين يرى أن الحرب الحالية كشفت ثغرة مزدوجة في الداخل الإسرائيلي: صعوبة اعتراض كل المقذوفات، وصعوبة منع الأثر المتبقي حتى عند نجاح الاعتراض. هذا يعني أن إيران لا تحتاج بالضرورة إلى اختراق شامل للدفاعات كي تفرض استنزافًا يوميًا على الجبهة الداخلية.

 

دلالة الهجوم في مسار الحرب

 

ضربة اليوم تأتي بينما تتحدث تقديرات إسرائيلية وغربية عن استمرار امتلاك إيران مخزونًا معتبرًا من الصواريخ، رغم الهجمات المركزة على منصات الإطلاق والمخازن فوق الأرض وتحتها. تقرير رويترز في 5 مارس نقل عن مصادر أن إسرائيل انتقلت إلى “المرحلة الثانية” من الحرب باستهداف المواقع الصاروخية تحت الأرض، لأن المرحلة الأولى لم تنهِ قدرة إيران على الرد على المدن الإسرائيلية.

 

هذا السياق يفسر لماذا لا تزال الرشقات الإيرانية تصل إلى تل أبيب الكبرى ووسط إسرائيل بعد أكثر من أسبوعين على بدء الحرب. فالهجوم الحالي لا يكشف فقط استمرار القدرة الإيرانية، بل يضع علامات استفهام على جدوى الخطاب الإسرائيلي والأمريكي الذي تحدث مبكرًا عن تقليص حاد لقدرات طهران الصاروخية. استمرار سقوط الصواريخ أو شظاياها في الوسط الإسرائيلي يعني أن المعركة لم تُحسم، وأن الردع الذي رُوّج له لم يتحول إلى واقع ميداني كامل.

 

الخبير في الأمن الإقليمي طارق فهمي يقول إن أخطر ما في هذه الضربات ليس عددها فقط، بل انتظامها النسبي وقدرتها على فرض حالة طوارئ مستمرة على الاقتصاد والمجتمع. فكل إنذار يوقف المطارات جزئيًا، ويعطل الأعمال، ويدفع الملايين إلى الملاجئ، ويحوّل “العمق الآمن” إلى جبهة مفتوحة.

 

في الخلاصة، فإن صاروخ اليوم، سواء أصاب هدفه مباشرة أو خلف شظايا قاتلة بعد الاعتراض، يحمل المعنى نفسه سياسيًا وعسكريًا: وسط إسرائيل لم يعد محصنًا كما كانت تروج المؤسسة الأمنية. ومع كل ضربة جديدة تتراجع صورة التفوق المطلق، ويتأكد أن الحرب دخلت مرحلة استنزاف متبادل، يكون فيها مجرد بقاء القدرة على الضرب رسالة بحد ذاته.