في مفارقة رقمية لافتة، عاد اسم مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، الشيخ حسن البنا، لتصدر المشهد الإلكتروني عبر وسم #حسن_البنا، الذي تحول خلال الساعات الماضية إلى منصة مفتوحة لإعادة قراءة التاريخ المصري والعربي في النصف الأول من القرن العشرين. لم يكن التفاعل مجرد استدعاء لذكرى شخصية تاريخية رحلت قبل نحو 77 عاماً، بل تحول إلى ساحة اشتباك فكري وسياسي تعكس أزمة الهوية والانقسام الحاد في قراءة التراث السياسي للحركات الإسلامية.
المشهد على منصات التواصل الاجتماعي، وتحديداً "إكس" (تويتر سابقاً)، انقسم بشكل حاد إلى تيارين متوازيين لا يلتقيان. التيار الأول، وهو تيار الهجوم التقليدي، تعامل مع اسم "البنا" كرمز سياسي آني، مُسقطاً عليه خصومات الواقع السياسي الحالي، وربطه بسرديات "الإرهاب" التي تتبناها بعض الأنظمة العربية، دون النظر إلى السياق الزمني الذي عاش فيه الرجل.
في المقابل، برز تيار آخر، وصفه المراقبون بـ"التيار الاستكشافي"، الذي تجاوز مساحة الدفاع التنظيمي إلى مساحة البحث التاريخي، محاولاً فهم ظروف مصر والعالم الإسلامي في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، وطبيعة الاحتلال البريطاني، والدور الذي لعبته الجمعيات الإسلامية في تشكيل الوعي الوطني آنذاك.
هذا التيار رأى في الهجوم الشديد فرصة للتعرف على الرجل من مصادره الأصلية، وهو ما اعتبره محللون "ظاهرة صحية" تتيح للأجيال الجديدة الحكم بناءً على الوثائق لا الشعارات.
استشراف التاريخ: "المقاطعة الأولى" وفلسطين في وعي الثلاثينيات
لعل أبرز ما كشفه هذا السجال الإلكتروني هو إعادة تسليط الضوء على الدور المبكر لحسن البنا في القضية الفلسطينية، وهو دور يسبق نكبة 1948 وسرديات الصراع الحديثة. لقد أخرج المغردون وثائق ومواقف تظهر وعياً اقتصادياً وسياسياً متقدماً لدى مؤسس الجماعة في مواجهة المشروع الصهيوني.
وفي هذا السياق، كان الإعلامي الفلسطيني الدكتور فايز أبو شمالة دقيقاً ومنصفاً في طرحه، حينما جرد شهادته من الانتماء الحزبي، مؤكداً استقلاليته عن تنظيمي الإخوان وحماس، ليقول "كلمة حق" تاريخية. استدعى أبو شمالة تحذيرات البنا للمصريين قبل 97 عاماً من دعم الاقتصاد الصهيوني، ناقلاً عبارته التي تبدو وكأنها قيلت اليوم في ظل حملات المقاطعة العالمية: "القرش الذي تدفعه لهذه المحلات إنما تضعه في جيب يهود فلسطين ليشتروا به سلاحاً يقتلون به إخوانك المسلمين".
أنا لا أنتمي إلى تنظيم الإخوان المسلمين،
— د. فايز أبو شمالة (@FayezShamm18239) December 28, 2025
وأنا لست من حركة حماس
ولكن ذلك لا يمنع أن أقول كلمة حق في حقهم،
وهذا مرشد الإخوان المسلمين حسن البنا يحذر العرب المصريين من شراء البضائع من محلات اليهود في مصر، ويقول لهم قبل 97 سنة:
"القرش الذي تدفعه لهذه المجلات إنما تضعه في جيب يهود… pic.twitter.com/zVrB8QBnPJ
هذا البعد التوثيقي عززه الناشط جمال الساير، الذي أشار إلى أن ما فعله البنا يمثل "المقاطعة الأولى" تاريخياً، موضحاً أن الجماعة التي تأسست عام 1928 باشرت تقديم خدماتها المجتمعية والدفاعية عن فلسطين قبل "ثورة العسكر" في 1952 بربع قرن.
وأشار الساير إلى الخطوات العملية التي اتخذها البنا حينها، والتي لم تقتصر على الخطب، بل شملت طباعة قوائم بأسماء المحلات اليهودية في القاهرة لدعوة الجمهور لمقاطعتها، مما يعكس نهجاً مؤسسياً في المقاومة السلمية الاقتصادية.
المقاطعة الاولى :
— جمال الساير (@rayatalshaab1) December 28, 2025
جماعة الإخوان المسلمين تأسست عام 1928م في مصر وباشرت تقديم خدماتها في الدعوة وتأهيل المجتمع والدفاع عن فلسطين قبل (ثورة العسكر) بربع قرن، وقد دعا مرشدها العام حسن البنا لمقاطعة المجلات اليهودية في القاهرة وقام بطبع قائمة بأسماء هذه المجلات وذيلها بعبارة :… pic.twitter.com/BXXRWMnlSo
ويتفق الصحفي والمستشار الإعلامي أحمد عبد العزيز مع هذا الطرح، معتبراً أن كلمات البنا العابرة للقرون تبدو وكأنها "كتبت قبل ساعة"، مشيراً إلى أن استهداف الإخوان اليوم هو جزء من "حرب شعواء على الإسلام".
ويرى عبد العزيز أن الرد الأمثل في هذه المعركة ليس الدفاع التقليدي، بل "إعادة إحياء أفكار هذا الرجل العظيم وبكل اللغات"، واصفاً إياه بأنه لا يزال "أقرب المصلحين للجماهير".
وكأن البنا كتب هذا الكلام قبل ساعة، وليس قبل 100 عام!
— أحمد عبد العزيز (@AAAzizMisr) December 28, 2025
ذلك لأن العداء تقليدي قديم قِدم العالم، بين الحق وأهله من جانب، والباطل وأهله من جانب آخر..
وخير ما يمكن عمله في وسط هذه الحرب الشعواء على الإسلام ، باستهداف #الإخوان_المسلمين، أن نعيد إحياء أفكار هذا الرجل العظيم، وبكل… pic.twitter.com/XxAB9hERSp
"شيطنة" الرمز: بين التحالفات التاريخية والتوظيف السياسي المعاصر
الجانب الآخر من النقاش الدائر تحت وسم #حسن_البنا كشف عن التناقض الصارخ بين مكانة الرجل في التاريخ السياسي الحديث وبين محاولات عزله وشيطنته في الخطاب الإعلامي المعاصر. فبينما تحاول "اللجان الإلكترونية" ومراكز الأبحاث الموجهة حصر البنا في زاوية التطرف، تخرج الوثائق لتثبت أنه كان قطباً رحبا استوعب مختلف تيارات التحرر الوطني.
حساب "تاج عزيزي" التونسي قدم دليلاً دامغاً بنشره صورة نادرة تجمع الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة -رمز الحداثة والعلمانية في تونس- مع حسن البنا في "مكتب المغرب العربي بالقاهرة".
هذه الصورة التي توثق إقامة بورقيبة في جناح بدار الإخوان تؤكد أن البنا كان رقماً صعباً في معادلة التحرر العربي، وكان ملاذاً ومظلة لرموز النضال من مختلف المشارب، حيث كان لصيقاً برموز التيار العروبي الإسلامي مثل رشيد رضا وشكيب أرسلان.
صورة نادرة للحبيب بورقيبة مع حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان ، في "مكتب المغرب العربي بالقاهرة" الذي كان يمثل ثورات المغرب العربي الثلاث ، وكان بورقيبة يسكن في جناح بدار الإخوان ، وكان في ذلك الوقت لصيقا برموز التيار
— تــــــاج عـــــزيــــــزي (@TejAzizi) January 2, 2026
العروبي الإسلامي رشيد
رضا وشكيب ارسلان والثعالبي والبنا pic.twitter.com/GEV5sdcFAq
هذا التناقض التقطه بذكاء الكاتب السعودي حمد الجاسر، الذي فكك مصطلح "الأخونة" كأداة سياسية، مشيراً إلى أن تهمة "إخوان مسلمون" باتت توزع مجاناً على كل خصم سياسي، حتى لو كان علمانياً. وأكد الجاسر أن "الإخوان" في قاموس الأنظمة الحالية لم تعد تعني الجماعة التي أسسها حسن البنا، بل أصبحت "عنواناً لكل إصلاح سياسي واجتماعي وأخلاقي يكرهونه".
العجيب ان من تحالفوا على عداء (الاخوان المسلمون) يتبادلون التهم اليوم انهم (اخوان مسلمون)#حضرموت
— حمد الجاسر (@boibraheem) January 2, 2026
بالنسبة لهم (الاخوان) ليسوا الجماعة التي أسسها حسن البنا رحمه الله
الاخوان عنوان لكل اصلاح سياسي واجتماعي واخلاقي يكرهونه ، حتى لو نادى به علماني
في المقابل، لم يخلُ المشهد من السخرية السوداء تجاه المحاولات المستميتة لتشويه التاريخ عبر أدوات "الذباب الإلكتروني".
فقد رصد حساب (@deryamuae) كيف أن فشل السرديات التقليدية الممولة دفع ببعض الجهات للاستعانة بحسابات مرتبطة بدوائر صهيونية (مثل الوحدة 8200) للسخرية من الإرث الإسلامي، وهو ما علق عليه حساب "ديفيد" ساخراً بعبارة: "حسن البنا فخور بكم"، في إشارة عكسية تؤكد أن محاربة فكر البنا باتت تجند لها جهات معادية للأمة ذاتها.
حسن البنا فخور بكم 🇸🇦❤️🇪🇬👌 https://t.co/pQXnviI6It pic.twitter.com/QuUSlTh2Uk
— DAVID 𓂀 (@DutchEgyptian) January 1, 2026
جدلية البقاء: الفكرة التي لا تموت بقرارات الحظر
في خضم هذا الصراع، برز التساؤل الجوهري حول سر بقاء جماعة الإخوان واسم مؤسسها حياً رغم مرور قرن من الزمان، ورغم حملات الاستئصال المتكررة. حتى أدوات الذكاء الاصطناعي، التي يفترض حيادها، عكست هذا الصراع في التعريفات.
فقد قدم محرك "Grok" إجابة مركبة للتائهين الباحثين عن الحقيقة، واضعاً الروايتين جنباً إلى جنب: رواية "الإرهاب" التي تتبناها مصر والسعودية والإمارات بناءً على أحكام قضائية محلية، والرواية الدولية (الأمريكية والأوروبية) التي ترفض هذا التصنيف، جنباً إلى جنب مع تعريف الجماعة لنفسها كحركة سلمية إصلاحية.
الإخوان المسلمون جماعة إسلامية سنية تأسست في مصر عام 1928 على يد حسن البنا، تهدف إلى الإصلاح الاجتماعي والسياسي بناءً على الإسلام، ولها فروع في دول عديدة.
— Grok (@grok) January 1, 2026
الاتهامات تشمل الإرهاب والتحريض على العنف، وصنفتها دول مثل مصر والسعودية والإمارات منظمة إرهابية. أدلة تشمل روابط مزعومة…
لكن الإجابة الأكثر عمقاً جاءت من الكاتب عز الدين الكومي، الذي استدعى فلسفة حسن البنا نفسه في التعامل مع الأزمات. ففي رده على قرار حل الجماعة عام 1948، لم يهتم البنا بالكيان القانوني بقدر اهتمامه بالوجود الواقعي، قائلاً: "الورق لا ينفي الواقع".
ويؤكد الكومي أن سر البقاء يكمن في أن الإخوان "فكرة"، والأفكار لا تموت بالمراسيم الجمهورية أو القرارات السياسية، لأن مبادئ مثل "الإسلام هو الحل" و"فلسطين أمانة" هي مبادئ متجذرة في الوجدان لا يمكن انتزاعها.
ويتوافق هذا الطرح مع رؤية "الدوبي صلاح" الذي اختصر المشهد بعبارة كاشفة: "سر بقاء الإخوان المسلمين هو أنهم إخوان مسلمون"، مشيراً إلى أن الحرب في عمقها هي حرب على الدين ذاته، وهو ما يمنح الجماعة حصانة البقاء المستمدة من بقاء الإسلام.
واختتم النشطاء تفاعلهم باستدعاء أبيات شعرية تخلد أثر الرجل الذي اغتيل في فبراير 1949، لكن مشروعه الذي بدأ في الإسماعيلية كمعلم وداعية، تجاوز حدود الجغرافيا والزمن، ليصبح اليوم، وفي العام 2026، محور نقاش عالمي يثبت أن محاولة طمس التاريخ غالباً ما تؤدي إلى إعادة إحيائه بصورة أشد سطوعاً.
"إن للإخوان صرح كل ما فيه حسن
— ICHIGO🇵🇸 (@livpalestin) January 1, 2026
لا تسأل من بناه إنه البنا حسن"💚💚 https://t.co/qucXWdG8Ey

