في مشهد يتكرر بصورة مقلقة داخل المنظومة التعليمية، تتزايد وقائع الاعتداء على المعلمين في عدد من المحافظات، ما بين اعتداءات جسدية داخل المدارس أو خارجها، وتهديدات مباشرة أثناء أداء الواجب الوظيفي، في ظاهرة باتت تفرض نفسها بقوة على الرأي العام التعليمي، وتثير تساؤلات جوهرية حول مكانة المعلم، ومستقبل بيئة التعليم في مصر.

 

ورغم صدور أحكام قضائية رادعة وقرارات إدارية حاسمة في بعض الوقائع، فإن هذه المعالجات لا تزال، وفق مراقبين، محصورة في إطار رد الفعل، دون الانتقال إلى معالجة شاملة لأسباب الظاهرة وسبل احتوائها على مستوى السياسات العامة.

 

أحكام قضائية رادعة في الإسماعيلية

 

في هذا السياق، أعلنت النقابة العامة للمهن التعليمية صدور حكم قضائي من محكمة الإسماعيلية يقضي بحبس المتهم في واقعة الاعتداء على المعلم أحمد حسن عبدالعزيز لمدة ثلاث سنوات مع الشغل والنفاذ، وتغريمه خمسة آلاف جنيه، مع إلزامه بدفع تعويض مدني مؤقت قدره عشرة آلاف جنيه.

 

وتعود تفاصيل الواقعة إلى تعرض المعلم، الذي يعمل بمدرسة “المجاورة ع بنات” بمدينة المستقبل، لاعتداء عنيف أسفر عن إصابة بالغة في الرأس، تمثلت في جرح غائر بالجبهة استلزم 13 غرزة، إضافة إلى شرخ في الجمجمة، وهي إصابات وصفتها مصادر طبية بأنها جسيمة، وأثارت موجة غضب واستنكار واسع داخل الأوساط التعليمية.

 

دور النقابة ودعم المعلمين

 

وأوضحت النقابة العامة للمهن التعليمية أن الحكم جاء ثمرة متابعة قانونية مستمرة قامت بها النقابة الفرعية بالإسماعيلية، بالتنسيق الكامل مع النقابة العامة، حيث تولى محامو النقابة متابعة مجريات التحقيق أمام أقسام الشرطة والنيابة العامة، إلى جانب تقديم الدعم الصحي والمعنوي للمعلم المعتدى عليه طوال فترة التقاضي.

 

وأكدت النقابة التزامها بمواصلة اتخاذ كافة الإجراءات القانونية للدفاع عن المعلمين، مشددة على أن أي اعتداء على المعلم أثناء أداء عمله لن يمر دون مساءلة، باعتبار المعلم أحد أعمدة العملية التعليمية، وضمان حمايته شرطًا أساسيًا لاستقرار المنظومة.

 

واقعة الجيزة.. اعتداء داخل اللجنة وخارج المدرسة

 

وفي محافظة الجيزة، كشفت مصادر بمديرية التربية والتعليم عن نتائج التحقيقات في واقعة الاعتداء على معلمة بمدرسة حمزة بن عبدالمطلب التابعة لإدارة حدائق أكتوبر التعليمية، وهي الواقعة التي أثارت جدلًا واسعًا عقب تداول مقطع فيديو يوثق جانبًا من الحادثة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

 

وبحسب المصادر، فقد تقرر فصل الطالب المتورط في الاعتداء لمدة عام دراسي كامل، مع منعه من الالتحاق بأي مدرسة أخرى، بعد ثبوت استخدامه سلاحًا أبيض ضد المعلمة عقب منعه من الغش داخل لجنة الامتحان.

 

ولم تتوقف الواقعة عند هذا الحد، إذ أضافت المصادر أن الجهات المختصة قررت حبس الطالب ووالدته، بعد قيامهما بالاعتداء على المعلمة خارج أسوار المدرسة، في مشهد وصفه معلمون بأنه “غير مسبوق”، ودفع المديرية إلى فتح تحقيق عاجل فور انتشار الفيديو.

 

وأكدت المعلمة المعتدى عليها، في تصريحات غير رسمية، أن القرارات التي جرى اتخاذها أعادت لها جزءًا من الشعور بالإنصاف، بعد استكمال الإجراءات القانونية، مشيرة إلى أن ما تعرضت له ترك أثرًا نفسيًا بالغًا.

 

وقائع متفرقة وظاهرة آخذة في الاتساع

 

وتعكس واقعتا الإسماعيلية والجيزة نمطًا متكررًا من الاعتداءات التي يتعرض لها المعلمون في محافظات مختلفة، سواء من طلاب أو أولياء أمور، داخل الحرم المدرسي أو خارجه، ما يشير إلى تصاعد خطير في حدة التعامل مع المعلم، وتراجع واضح في صورته الاجتماعية وهيبته الوظيفية.

 

ويرى مختصون أن هذه الاعتداءات لم تعد حوادث فردية معزولة، بل أصبحت مؤشرًا على خلل أعمق في العلاقة بين أطراف العملية التعليمية، في ظل ضغوط اقتصادية واجتماعية، وتراجع منظومة القيم المرتبطة بالاحترام والانضباط داخل المدارس.

 

عقوبات فردية بلا إطار شامل

 

ورغم أهمية الأحكام القضائية والقرارات الإدارية الصادرة في كل واقعة، يؤكد مراقبون أن هذه الإجراءات تظل مرتبطة بمعالجة الأحداث بعد وقوعها، دون وجود إطار عام أو سياسة متكاملة تهدف إلى الوقاية من الاعتداءات، أو معالجة جذورها على مستوى المنظومة التعليمية ككل.

 

ويطالب خبراء التعليم بضرورة وضع تشريعات أكثر صرامة، وتفعيل لوائح الانضباط المدرسي، إلى جانب إطلاق حملات توعوية تستهدف الطلاب وأولياء الأمور، وتعزيز الدعم النفسي والأمني للمعلمين داخل المدارس.