تكشف تعاملات مستهل الأسبوع عن ضربة قوية تلقّتها البورصة المصرية بعد موجة بيع واسعة قادها المستثمرون الأجانب والعرب. الجلسة الأولى من الأسبوع انتهت بخسائر سوقية ضخمة بلغت نحو 41 مليار جنيه، ليتراجع رأس المال السوقي للأسهم المقيدة إلى مستوى 3.236.3 تريليون جنيه. الأرقام تعكس اتساع الفجوة بين قوى البيع والشراء في سوق يتعرض لضغوط خارجية متصاعدة. حالة الارتباك ظهرت بوضوح في أداء الأسهم القيادية والمتوسطة خلال جلسة الأحد، رغم توقعات متفائلة سبقت افتتاح التداولات.
التحركات السلبية جاءت في وقت تتقلب فيه الأسواق العالمية وتزداد فيه حساسية رؤوس الأموال الأجنبية تجاه المخاطر في الأسواق الناشئة. هذه البيئة دفعت مؤسسات استثمارية دولية إلى تقليص مراكزها داخل السوق المحلي بسرعة، وهو ما انعكس مباشرة على المؤشرات الرئيسية التي تحركت في اتجاه هابط جماعي.
يقول الخبير الاقتصادي وائل النحاس إن ما حدث في الجلسة الأخيرة ليس حركة تصحيح عادية. ويوضح أن الأسواق الناشئة، ومنها مصر، تتأثر سريعاً بقرارات المحافظ الاستثمارية الأجنبية عندما ترتفع درجة القلق العالمي أو تزيد الضغوط على السيولة الدولية.
المؤشرات الرئيسة في المنطقة الحمراء
سجل المؤشر الرئيسي EGX 30 تراجعاً بنسبة 1.86% ليغلق عند مستوى 45926 نقطة، متأثراً بعمليات جني أرباح مكثفة طالت عدداً من الأسهم القيادية. هذا التراجع جاء بعد موجة صعود سابقة دفعت بعض المستثمرين إلى تسييل جزء من محافظهم المالية.
في الوقت نفسه تراجع مؤشر الأسهم الصغيرة والمتوسطة EGX 70 بنسبة 1.26% ليصل إلى 12543 نقطة، وهو ما يعكس امتداد الضغوط البيعية إلى قطاع واسع من الأسهم خارج الدائرة القيادية.
أما المؤشر الأوسع نطاقاً EGX 100 فقد سجل تراجعاً بنسبة 1.33% ليغلق عند 17551 نقطة، في إشارة إلى أن التراجع لم يقتصر على أسهم محددة بل شمل قطاعاً كبيراً من السوق.
لغة الأرقام توضح أن السوق تواجه اختباراً حقيقياً للحفاظ على المكاسب التي حققتها خلال الأشهر الماضية. فموجات التخارج الأجنبي تضغط على المؤشرات وتعيد تشكيل خريطة السيولة داخل السوق.
ويرى محمد ماهر أن هبوط المؤشرات الثلاثة في وقت واحد يشير إلى ضغط مؤسسي واضح. ويضيف أن الأسواق عندما تفقد المحفزات الإيجابية تصبح أكثر عرضة لتأثير عمليات جني الأرباح وخروج المستثمرين الأجانب.
المصريون يشترون.. والأجانب يضغطون
رغم الهبوط الجماعي للمؤشرات، سجلت جلسة التداول نشاطاً ملحوظاً في قيمة التعاملات التي بلغت نحو 5 مليار جنيه. هذه السيولة المرتفعة تعكس حركة مكثفة داخل السوق، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن صراع واضح بين القوى البيعية والشرائية.
البيانات الرسمية تشير إلى أن المستثمرين المصريين اتجهوا إلى الشراء بصافي تعاملات بلغ نحو 439 مليون جنيه، في محاولة لامتصاص الضغوط البيعية القادمة من الخارج. هذا الاتجاه يعكس ثقة نسبية لدى المستثمر المحلي في مستويات الأسعار الحالية.
لكن عمليات البيع التي نفذها المستثمرون الأجانب والعرب كانت أقوى تأثيراً على مسار السوق. هذه الضغوط دفعت المؤشرات إلى المنطقة الحمراء وأضعفت التوازن الفني للسوق خلال الساعات الأخيرة من الجلسة.
ويقول خبير أسواق المال إيهاب سعيد إن هيكل السيولة في السوق يفسر ما حدث. ويوضح أن المستثمر الفردي أو المحلي يمكنه تخفيف أثر البيع، لكنه لا يستطيع عكس الاتجاه إذا كانت المؤسسات الأجنبية تقوم بتصفية مراكزها في الوقت نفسه.
ويضيف سعيد أن مستوى الدعم الفني القريب للمؤشر الرئيسي يدور حول 46250 نقطة، وهو مستوى أصبح الآن تحت اختبار حقيقي في ظل استمرار الضغوط البيعية.
مقاومة صعبة وسيولة غائبة
في المقابل، تترقب الأوساط المالية قدرة المؤشر الثلاثيني على العودة لاختبار مستويات أعلى إذا تحسنت شهية المخاطرة لدى المستثمرين. المؤشر يحتاج أولاً إلى تجاوز منطقة المقاومة القوية عند 47500 نقطة حتى يستطيع استهداف مستوى 47700 نقطة من جديد.
هذه المستويات الفنية تأتي في توقيت حساس للسوق. فالفترة الحالية تتزامن مع اقتراب عطلات رسمية طويلة، وهي عادة فترة تنخفض فيها السيولة وتتراجع فيها حركة التداول على الأسهم القيادية.
كما أن التوترات الجيوسياسية العالمية تضغط على أسواق المال في المنطقة، وتدفع بعض المستثمرين الأجانب إلى تقليص انكشافهم على الأسواق الناشئة. هذا العامل يضيف طبقة جديدة من المخاطر أمام السوق المصرية.
المؤشرات الفنية تشير بوضوح إلى حاجة السوق إلى سيولة جديدة حتى تستطيع كسر موجة الهبوط الحالية. فقدان أكثر من 41 مليار جنيه من رأس المال السوقي في جلسة واحدة يمثل إشارة قوية على حساسية السوق لأي موجة بيع خارجية.
في المقابل، يرى بعض المستثمرين الأفراد أن الأسعار الحالية أصبحت جاذبة نسبياً بعد التراجعات الأخيرة. لكن هذه الفرص الاستثمارية تبقى مرتبطة بدرجة المخاطر القائمة في السوق.
ففي ظل عدم وضوح اتجاهات المستثمرين العرب والأجانب خلال الفترة المقبلة، تبقى المؤسسات المالية الكبرى هي اللاعب الأكثر تأثيراً في تحديد اتجاه المؤشر العام صعوداً أو هبوطاً خلال جلسات التداول القادمة.

