منير شفيق
مفكر عربي إسلامي وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
لعل أفضل وصف لوضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في دخول الأسبوع الثالث لحرب العدوان، التي شنّها ويشنها ضدّ إيران، هو "مأزق ترامب"، أو "ترامب في المأزق".
الهدف الأساسي الذي وضعه ترامب للحرب، هو الإطاحة بنظام الجمهورية الإسلامية، وتغييره كما فعل بالنظام الفنزويلي. بحيث تصبح إيران بثرواتها، وما يريد ترامب لها، من قيادة تحت أمره، وفي خدمة المشروع الصهيوني في المنطقة. لأن انتقال إيران من أن تكون قلعة كبيرة، لمقاومة المشروع الصهيوني، وفي صراع عدائي ضد أمريكا ("الشيطان الأكبر")، وفي صراع لا مجال للمساومة فيه، ضدّ الكيان الصهيوني ("الغدة السرطانية في جسد الأمة الإسلامية")، كما حدّد لها الإمام الخميني، إلى إيران التابعة لأمريكا، والداعمة للكيان الصهيوني، كما كانت في مرحلة نظام الشاهنشاه، سيقلب ميزان القوى، بصورة تهدّد خريطة كل دول المنطقة، ومصالحها الوجودية والأساسية.
من هنا حدث شبه إجماع، لدى أغلب الدول العربية والإسلامية، للوقوف ضدّ الحرب التي قرّر ترامب خوضها، بالشراكة مع الكيان الصهيوني، ضدّ إيران. وذلك بغض النظر عن موقفها من إيران. فالمشكلة هنا أصبحت مشكلة الخوف العربي والإسلامي، في المنطقة، من تحقيق هدف ترامب، في حربه العدوانية المخالفة، أيضًا، للقانون الدولي، ولمصالح، أغلب دول العالم وشعوبه.
عندما حشد ترامب، معظم ما يملك الجيش الأمريكي، من أسلحة وطائرات وصواريخ وتكنولوجيا، استبعد البعض إمكان وقوف إيران أمام هذه القوّة، المتفوّقة عسكريًا. وقد راح ترامب، منذ الأسبوع الأول، ينتظر استسلام إيران، وبلا قيد أو شرط. ولكن ما إن مرّ الأسبوع الأول، وبالرغم من استشهاد الإمام علي الخامنئي، أثبتت إيران ثباتًا، على الموقف والاستراتيجية، اللذين حدّدهما، للمواجهة الشجاعة والحاسمة. بل سرعان ما أثبتت كلٍ من تلقي الصدمة الأولى الأخطر، وبداية الردّ القوي، سياسيًا وعسكريًا وشعبيًا (نزول الملايين إلى الشوارع)، أن أمام ترامب، إيران التي لا تستسلم، وإيران التي تقاتل، وتجعلها حربًا نظامية، وشعبية طويلة الأمد. وهذا ما تكرسّ، في الأسبوع الثاني للحرب.
ولهذا دخل ترامب في المأزق. وقد فقد أي أمل، بإمكان الإطاحة بالنظام، أو تحقيق الهدف من الحرب. بل راح يواجه، مع الأسبوع الثالث، وبعد أن تسّلم قيادة إيران الإمام مجتبى الخامنئي، شروطًا مضادّة، أخذ الوسطاء ينقلونها، لترامب. وكان من بينها، أن أي وقف لإطلاق النار، يجب أن يشمل الوضع كله في المنطقة، وليس الحرب ضد إيران فقط.
تعزّز هذا الموقف، مع التصعيد الذي شهده الأسبوع الثاني، بليلة القصف المشترك، المنسّق بين الحرس الثوري في إيران، وحزب الله في لبنان. بل تضاعف مع تدخل الحشد الشعبي في العراق، في الأسبوع الثاني نفسه. الأمر الذي يعني أن جبهة إيران، توسّعت ودخلت في مرحلة تنسيق. وهو تطوّر يعزّز ما شهده، الأسبوعان الأول والثاني، من فشل هدف الحرب، الذي حدّده ترامب. ويراهن عليه نتنياهو، وما شهداه من الصمود السياسي، والمبدئي العسكري والشعبي، في مواجهة حرب، حَشَدَ فيها ترامب، من الأسلحة والقدرات التقنية، ما لم تشهده، حرب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وبكلمة، ثبت أن السيطرة على الجو، مهما عظمت الصدمة الأولى، لا تُكسب حربًا، أمام قيادة مبدئية، رابطة الجأش، وجحافل مقاتلة، كالحرس الثوري والباسيج والجيش، وجماهير مليونية في الشوارع.

