بقلم: محمد حسين 

لا يختلف اثنان على أن مجلس الشعب الذي أتى بعد ثورة يناير كان معبرًا عن التركيبة الحقيقية للمجتمع المصري، وكان معبرًا أيضا عن رغبة حقيقة لشعب قام بثورة لانتزاع حريته في المشاركة في إدارة شئون بلاده، فلأول مرة في تاريخ مصر يشارك أكثر من 30 مليون مصريا في العملية الانتخابية، بعد أن ترسخت لديه قناعة بأن صوته بات له قيمة.
 
ذلك البرلمان الذي وإن شابه بعض الأخطاء في الممارسة نتيجة حداثة العملية الديمقراطية الحقيقية في المجتمع بات يقينا أنه لن يتكرر خاصة مع أول تجربة برلمانية عقب الانقلاب على إرادة الناخبيين في 3 يوليو.
 
خاصة بعد التقاء رغبة كثير من أحزاب المعارضة التقليدية مع الأحزاب الجديدة الناشئة المنطلقة من رحم دولة مبارك لإقصاء ذلك الفصيل السياسي الذى حصد الأغلبية في برلمان الثورة، والتقت رغبتهم ومصالحهم بالطبع مع رغبة مؤسسة العسكر التي انقلبت على السلطة الشرعية، فكالوا مجتمعين التهم للإخوان المسلمين وحلفائهم وشيطنوهم وحظروهم وفرضوا واقعًا جديدًا دون الحاجة إلى قانون لحظرهم من الممارسة السياسية.
 
بات إذن الملعب واسعًا، فالفصيل الذي فاز بالأكثرية في مجلسي الشعب والشورى هو الآن أغلبية مريحة وكاسحة في سجون الانقلاب وأصبحت الأقلية البرلمانية هي اللاعب الأساسي في الساحة السياسية.
 
إلا أن المشهد البرلماني ليس بالسهولة المتوقعة بعد خلو الساحة من الإخوان؛ لأنه بات مزيجًا من صراع المصالح وفوضى الممارسة السياسية التي جرأت كل من كان له دورًا في الانقلاب أن يبادر ليحصل على مكافأته من عيار الراقصة سما المصري، التي كان لها دور ليس بالقليل في إهانة الرئيس مرسي، والمطرب مصطفى كامل صاحب أغنية تسلم الأيادي، والفنانة هند عاكف، والمخرج خالد يوسف،  والعديد من رموز الفن الذي لا يتسع المجال لحصرهم، فضلا عن بعض الساسة ممن كان لهم دور أيضا في الإطاحة بإرادة الشعب المصري من أمثال مصطفى بكري، وسامح عاشور، والإعلامي يوسف الحسيني، والإعلامية حياة عبدون، إضافة إلى اعتزام كل من محمود بدر منسق حركة تمرد، والإعلامي توفيق عكاشة الترشح أيضا.
 
وبعيدا عن تهكم البعض بأن المشهد السابق سيجعل من البرلمان المقبل "برلمان هز الوسط" أو كما أطلق عليه البعض "برلمان الراقصة والطبال"، في إشارة إلى الراقصة سما المصري والقيادي السابق في الحزب الوطني الذي خرج من السجن ليعود للترشح للبرلمان رجل الأعمال أحمد عز، والذي كان يعمل في صباه طبالا.. ففي الجانب الآخر يخوض العسكر معركة مصيرية؛ إذ يخططون منذ وقت ليس بالقليل للسيطرة على أغلبية مريحة في البرلمان، تمكهنم من تمرير كافة القوانين وتحول دون الاقتراب من موازنة القوات المسلحة التي سبق وتجرأ نواب برلمان الثورة لمناقشتها.
 
وبعد أن أيقن العسكر أن دولة مبارك القديمة لا يمكن الاعتماد عليها، سعوا جاهدين إلى صناعة كتلة سياسية جديدة تبعد كل البعد عن شبكة رجال الأعمال والعائلات التي تتشكل منها القاعدة الانتخابية لدولة مبارك، والسبب في ذلك يرجع إلى أمرين:
 
الأول: أن العسكر لا يريدون أن تقترن دولتهم الجديدة بدولة مبارك؛ لأنها سوف تنتقص من رصيدهم كثيرا لدى شريحة لا تزال تعتقد أن دولة العسكر تختلف عن دولة مبارك الفاسدة.
 
والأمر الثاني: أن السيسي أعلنها بصراحة أنه ليس مدينًا لأحد، ويسعى بكل جهد للتخلص من تبعة رجال الأعمال، خاصة أنه يتوقع صراعًا بينهم وبين قادة الجيش الذين يسيطرون الآن على كل الاستثمارات والمشاريع المحتملة.
 
لإنجاز المعادلة الجديدة كلف عبد الفتاح السيسي الدكتور كمال الجنزوري لتشكيل تحالف وطني يضم فيه طياته تكتلات جديدة بعضها كان مهمشا سياسيا؛ الهدف منها أن تكون ظهيرًا سياسيًّا له على غرار ما فعله جمال عبد الناصر بتشكيل التنظيم الطليعي والاتحاد الاشتراكي، على أن يتكون هذا التكتل الجديد من الكنيسة وأهالي ضباط الجيش والحركة الصوفية والاتحادات العمالية وبعض النقابات وتجمع المعاقين وحركة تمرد.
 
وسعى الجنزوري لضم بعض المعارضة التقليدية إلى هذا التحالف؛ إلا أنه باء بالفشل جراء ممارسته الديكتاتورية، فانسحبت بعض الأحزاب من قائمة الجنزوري وبات الفشل يهدد المشهد الأخير لخارطة طريق الانقلاب.
 
فعلى الفور طلب السيسي من الجنزوري الانسحاب من المشهد، ودفع باللواء سامح سيف اليزل أحد أهم مستشاري القوات المسلحة ليعلن عن تدشين تكتل جديد، وصدرت التعليمات على الفور إلى القوى المشكلة لتكتل الجنزوري للانضمام إلى هذه القائمة التي تضم العديد من الجنرالات السابقين.
 
ليكون البرلمان المقبل على موعد مع تشكيلة لن تتكرر في تاريخ ومستقبل البرلمانات؛ حيث أغلبية صامتة ليس لديها بالمرة الخبرة البرلمانية يقودها مجموعة من الجنرالات، ويحركهم أبانا الذي في المخابرات مع أقلية من كافة الأحزاب التي شاركت في المشهد الانقلابي إضافة إلى مجموعة من أهل الفن.