بقلم: عامر شماخ
مشاهد يوم الجمعة (6 فبراير 2015) أكدت - دون شك - أن السحر قد انقلب على الساحر، وأن المستخف بهم بالأمس قد انفضوا من حول الفرعون، بل صاروا أداة هدم لنظامه الدموى الذى لا يعرف شيئًا عن الإنسانية، وأنه لا مفر من هلاك المجرمين، وسوف تكون نهايتهم على قدر ما فعلوه.
نظرت فى ميادين قاهرة المعز طوال هذا اليوم فلم أجد إلا عشرات أو بضع عشرات من (المتظاهرين!!) الذين أعرف وجوههم جيدًا، وهم من أهالى الأحياء المحيطة بالتحرير والإسعاف، من الفقراء المعوزين الذين يدفع للواحد منهم خمسون جنيهًا مقابل التظاهر والرقص والزغاريد، ويبدو -والله أعلم- أنهم لم يتقاضوا هذه المرة شيئًا، فلم نسمع ما كنا نسمعه منهم من جلبة وترديد هتافات يمليها عليهم من دفع إليهم أجرهم، ما يعنى -أيضًا- أن الذين كانوا يدفعون من اللصوص أصحاب المصالح قد ظهر لهم أن هذا النظام (مش جايب همه)، وأنه من الأفضل لهم أن يكفوا عن دعمه انتظارًا لسقوطه وكى لا يحاسبوا من النظام المقبل.
عرّت مشاهد يوم الجمعة أفراد العصابة، وكشفت سوءتهم، وأفصحت عن نفاد رصيدهم فلم يبق أمامهم سوى تصعيد عمليات القتل والسجن ونهب الأموال وهتك الأعراض، لقد ادّعوا من قبل أن لهم ظهيرًا شعبيًا لم يكن لأحد غيرهم فى تاريخ مصر، وها هو الواقع يؤكد ألا ظهير لهم سوى الدبابة والمدفع والطائرة، وهذه لا تحسم معركة مع الشعوب، بل الشعوب هى المنتصرة بجدارة فى مثل هذه الحالات، فمهما أجرموا فإن لهذا الإجرام نهاية، وهى سوداء على هؤلاء الأشقياء، بيضاء على من ظُُلموا من الشباب الأطهار والثوار الأحرار.
أتخيل الآن العلاقة بين هذا الشعب العزيز الأبىّ وهؤلاء السفاحين، فأجدها علاقة تربّص وانتظار، وطال الزمن أو قصر فمن المؤكد أن تلك الحية المحاصرة سوف تلقى حتفها على يد من لدغتهم وبثت فيهم سمومها.
لا ملجأ ولا منجى للانقلابيين -كما يعتقدون- سوى صبّ مزيد من غضبهم على أبناء الوطن، مستهدفين الأحرار منهم، فإذا كان عبيدهم أنفسهم قد تخلوا عنهم فلا حل أمامهم سوى إسكات أى صوت معارض، وسفك دم كل من يقول لا لتسليم دولتنا للصهاينة والانبطاح أمام كل من لا شأن له ولا قيمة، وكل هذا مما يقرّب المسافات ويعجِّل بنهاية هؤلاء المخربين.
قلنا منذ شهور: افتحوا الميادين لتعرفوا حجم لاعنيكم، وما زلت أطالب بذلك، إن كنتم على حق أيها القتلة اسمحوا ولو بهامش بسيط من الحرية، واتركوا الشباب يتظاهرون ولو لبضع ساعات، ولأنكم تعرفون نتائج هذا الإجراء، وأنه لو حدث لسوف تكونون ماضيًا بغيضًا فإنكم ترفعون الطوارئ وتعيشون حربًا حقيقية ضد كل من يتظاهر ولو كن نساءً فى حارة من حارات قرية صغيرة فى أحضان الريف لم يكن يسمع بها أحد قبل انقلابكم الذى لم نر إجرامًا يماثله سوى ما قام به فرعون قديمًا وما جرى فى أوربا فى عصورها المظلمة إبان محاكم التفتيش.
قد غضبنا خلال عام ونصف العام هى عمر الانقلاب، من انبطاح الكثيرين لهؤلاء الدمويين، لكن مشاهد الجمعة لتؤكد أن هذا الشعب مازال بخير، وأنه واع رغم ما يمارس عليه من إرهاب وكبت، ورغم ما ينفق من مليارات على إعلامه الفاجر لتزييف وعيه والاستخفاف به، لقد كان لدى هذا الشعب الأمل في أن ينفذ هؤلاء الكاذبون ما وعدوا به، من مواصلة الطريق الديمقراطى الذى جاءت به ثورة يناير المجيدة، كما كان لديهم أمل أن ينتقل البلد من حال الفوضى إلى حال الأمن والاستقرار، لكن الواقع أكد أن هؤلاء ما أتوا بشىء من هذا، بل أتوا لتحقيق مصالحهم، وزيادة مخصصاتهم، فضلا عن ترسيخ صورة ذهنية تتعلق بكونهم هم الأسياد والمواطنون هم العبيد. لم ير الشعب -منذ أن حل شؤم الانقلابيين علينا- سوى الغلاء والبلاء، وانهيار اقتصاد البلد، وتقسيم الناس شيعًا وأحزابًا، والتحريض على القتل والانتقام، كان الشعب يطمح إلى العدل فلم يجد إلا ظلمًا وقسوة، وكان يطمح إلى النهوض بالبلد وترسيخ معنى الوطنية والانتماء فلم ير سوى عصابة تجر الوطن جرًا إلى هوة سحيقة ما لها من قرار.
لقد آن الأوان كى يتخذ هذا الشعب الصبور خطوة، بل خطوات إلى الأمام، لنزع تلك الفئة الضالة من موضع الحكم، والقصاص منها وممن آزروها ودعموها ورقصوا على الجثث والأشلاء.. والله إننا لا نشك فى مجىء هذا اليوم أبدًا، ويقولون متى هو؟، قل عسى أن يكون قريبًا.

