بسم الله الرحمن الرحيم
لم يكن أحد من الناس مستحقا لقرارات الملاحقة القانونية والحملات الإعلامية أكثر من الشيخ القرضاوي، فهو من دعا للحرية على مدى عمره المديد، وعلم الشعوب كيف تقاوم الباطل وتثور عليه، وهو من قاد الأمة في ربيعها الإسلامي إلى الانتفاض على الظلم والطغيان!!
لذا كان لا بد من ملاحقته، فقد تجرأ مبكراً وكتب أن القدس قضية كل مسلم، وكان مرجعية للقضية مجاهداً من أجلها، معايشاً لكل أحوالها، متفاعلاً مع كل الأحداث التي مرت بها.
فكان لابد من ملاحقته منذ زمن بعيد.
نعم كان لا بد من ملاحقته فقد وقف للعلمانية بالمرصاد، ففضح زيفها، وفند شبهها، وعرضها على مرآة الإسلام وجها لوجه، ليكشف التطرف العلماني في مواجهة الإسلام، فما كان لباطلهم أن يبقى، ولا لدعاتهم أن يثبتوا أمام حجته القاطعة، حيث بين لهم أن الحل الإسلامي فريضة وضرورة، وكشف للأمة ضلال الحلول المستوردة وخطرها على الأمة، وأن للحل الإسلامي بينات واضحات، وأن شبه العلمانية زيف وافتئات، وأن الدولة في الإسلام لها قواعد وأصول، وأن الدين والسياسة لايفترقان.
كان لا بد من ملاحقة القرضاوي من السيسي وزبانيته وكهنته الذين خلعوا عليه بردة الرسالة لأن الشيخ دافع عن العقيدة الصافية، فأبان حقيقة التوحيد، والإيمان بالقدر، ورسم فصول العقيدة بين السلف والخلف، وكشف للأمة موقف الإسلام من الإلهام والكشف والرؤى ومن التمائم والكهانة والرقى.
كان لا بد من ملاحقته فقد دعا الأمة إلى العبادات صحيحة، فأرشدها إلى فقه الصيام، وفقه الزكاة، وفقه الطهارة، وفقه الجهاد، وفقه الأولويات، حتى فقه الترويح والغناء، وكان قد مهد لكل ذلك ببيان الحلال والحرام في الإسلام.
كان مستحقاً للملاحقة منذ أمد بعيد فقد حارب اليأس والقنوط، وأهدى للأمة مبشرات للنصر عالية المقام لتدرك طبيعة الطريق، وأن الإسلام حضارة الغد، وأن المستقبل للإسلام، وأن شريعة الإسلام صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان، والبشرية في حاجة ماسة إلى الرسالة الحضارية لأمتنا.
كان لا بد من ملاحقة الرجل الذي رسم لجيل النصر المنشود طريقا واضحة معالمه، بزاد في التعامل مع القران مختلف، ومنهجية في التعامل مع السنة راقية، وفكر من ثقافة الدعاة متسع، وحصَّن الأمة من خطورة الغلو والتكفير، وبين لها الفرق بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم وحماها من الجحود والتطرف، واتجه بالأمة نحو صحوة تتدرج من المراهقة إلى الرشد، فرباها على التوكل، والصبر، والتوبة إلى الله، وأرشدها إلى الورع والزهد، وغرس في نفوسها المراقبة والمحاسبة، لتتحقق بالربانية الفريدة، وتعلم أين الخلل، وتحيا في مجتمع مسلم واضحة معالمه، كل ذلك من أجل صحوة راشدة تجدد الدين وتنهض بالأمة، وتعلنها بوضوح أن هذه الأمة حقيقة لا وهم.
كان لا بد من ملاحقته لأنه سعى لحفظ السلم الاجتماعي للأمة ونزع فتيل الحروب الطائفية، وبين نظام الإسلام في التعامل مع غير المسلمين في المجتمعات الإسلامية، وأكد على الحرية الدينية والتعددية في نظر الإسلام، وبين إشكالات الأقليات الدينية والحل الإسلامي لها.
كان لا بد من ملاحقة الشيخ لأنه بلا منازع تفرد في سماء دنيا العلماء بقيادة الأمة لنصرة الحق وأهله، ومواجهة الباطل وجنده دون مواربة أو ممالأة، فللشيخ رمزية الإسلام والإنسان، رمزية العلم والعمل، رمزية السنة والاتباع، رمزية الوسطية والاعتدال.
كان لا بد من ملاحقته فقد أنشأ للعلماء اتحادا عالميا يجتمعون تحت رايته لأول مرة في التاريخ المعاصر ليصححوا المفاهيم ويدافعوا عن الدين ويحفظوا للأمة هويتها وقيمها.
كان لا بد من ملاحقته حقدا وحنقا لما جعل الله له من محبة بين الخلائق لا تطمح لها آمال المبطلين، ومن سلطان وإكرام يفوق سلطان كل المجرمين، ومن انتشار لفكره واستشراف لرأيه واتساع لتلاميذه.
فكان لا بد لعصابة الطغيان أن تحاربه، ولدعاة الابتداع أن يهاجموه، ولسلاطين الإجرام أن يعادوه، ولقضاة الجور أن يطاردوه، ولمؤسسات العمالة والخيانة أن ترميه بالإرهاب!!
طوبى لك ياشيخنا فقد أكرمك الله تعالى بعداوة اللئام ومحبة الكرام، فعلى بركة الله سر كما عهدناك قائدا، وللأمة رائداً..
وسيكتب التاريخ أنك كنت هنا في هذا الزمن تبني وتشيد، بينما نكرات مجهولة تهدم وتقوض، ستبقى يا سيدي في الأمة قمة سامقة، ونجماً هادياً، ومنارة للسائرين، وسيكتب التاريخ أيضاً أن سنة الله في الطغاة باقية، وهديه في محقهم سارية.
د جمال عبد الستار محمد
الأستاذ بجامعة الأزهر وعضو مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
والأمين العام لرابطة علماء أهل السنة

