بقلم – عبد الله هاشم:
 
أثار المقال الذي نشر في موقع قصة الإسلام باسم الدكتور راغب السرجاني كثيرا من اللغط والنقاش خاصة في أوساط الشباب الذين سارع كثير منهم لاتهام الرجل في دينه ووطنيته وفهمه لطبيعة الواقع المعاش تحت زعم أنه يبرر للانقلاب في مصر ويضفي بعدا شرعيا على جرائمه ومخازيه.
 
وظل كثير من تلاميذ الدكتور ومحبيه في حيرة من أمرهم فهم لا يقبلون ما ذهب له المقال ولكنهم يعلمون من صدق الرجل ما يجعلهم يتباطئون في اتهامه بل والبحث له عن مبررات تخرجه من دائرة التواطؤ مع الانقلاب وجرائمه وتبعده عن الوقوع في تأييدها أو شرعنتها.
والحقيقة أن لي عددا من الملاحظات أحب أن أسوقها بين يدي هذا المقال لعلها تضع الأمور في نسقها الصحيح وسياقها اللائق بها خاصة إذا كنت أرفض البحث للرجل عن ذلات ، كما أني لم أكن من تلاميذ الرجل أو مريديه فأرفع عن نفسي حرج قراءة مختلفة للمقال ، ومن هذه الملاحظات:
 
-الرجل لم يذكر في المقال المنشور باسمه أي حديث عن الانقلاب في مصر ولم يشر من قريب أو بعيد لما يحدث في مصر ولكنه تكلم بصفة العموم عن الظلم والمنهج الذي يراه مناسبا للتعامل مع ظلم الحكام.
 
-المقال المذكور منشور في موقع وإن كان يصدر حتى هذه اللحظة من القاهرة – رغم الظروف الضاغطة على المؤسسات الإعلامية – إلا أنه يمول من دولة خليجية كبرى لها مواقفها ولنظامها الحاكم مشاكله الكثيرة مع شعبه وهو ما يجعلنا نظن أنه  ربما يتكلم عن حالة غير الحالة المصرية.
 
-ما أعلمه أن الدكتور السرجاني اعتاد – ككثير من المفكرين والكتاب – تكليف عدد من الباحثين بكتابة المقالات والبحوث التي يقوم الرجل على مراجعتها وإضافة ما يراه مناسبا عليها لتكتب باسمه في موقع قصة الإسلام أو غيرها من المؤلفات وهي طريقة وإن كنت أتحفظ عليها بل وربما أرفضها جملة وتفصيلا ، إلا أن كثيرا من الكتاب والمفكرين المشهورين يتعامون بهذه الطريقة.
 
وأقول لعل الرجل لم يسعفه الوقت لمراجعة المقال المنشور ، وربما لو أتيحت له الفرصة لأدرك بفطنته أن مثل هذا المقال قد يساء فهمه عند جمهوره في مصر.
 
-المقال ينسجم مع التوجه العام الذي سار عليه الموقع للمبالغة في تبرير كثير من المظالم التي حدثت من عدد من الحكام في فترات من التاريخ الإسلامي دون وضعها في سياقها الصحيح ، وأضرب مثالا لذلك محاولة تبرئه يزيد بن معاوية من جريمة التعرض لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والوصول إلى نقطة التوازن في رؤية هذا الصراع الذي بدا فيه الظلم واضحا على آل البيت بقيادة الحسين رضي الله عنه بعد أن حاول العودة من جديد بالخلافة الإسلامية إلى نصاعتها الأولى وصفائها الكامل في عهد الخلفاء الأربعة الراشدين.
 
وبالرغم من هذه المحاولة النقية الصافية من الحسين رضي الله عنه إلا أن الدولة الأموية بعد يزيد لم تنجرف بعيدا عن الشريعة ولم تتخل عن الجهاد في سبيل الله ، ولم يكن بينها حاكم يتواطؤ مع الروم بل كان جهاد وتضحية وفداء.
 
فنحن نثمن جهاد الدولة الأموية وحرصها على تطبيق الشريعة الإسلامية وحرصها على نقاء المجتمع الإسلامي ، وإن كنا لا نستطيع - ونحن نقيمها - أن نغض الطرف عن أي مظالم ظهرت بينة في بعض فتراتها خاصة في عهد الحجاج بن يوسف الثقفي الذي واجهه العلماء العاملون ولم يقبلوا بظلمه.
 
هذا الواقع الذي رأيناه في الدولة الأموية لا يمكن بحال من الأحوال أن نسقطه على الواقع المعاش خاصة في ظل الانقلاب الإجرامي الذي أهدر إرادة الأمة – بعد أن عادت إليها – وانحاز إلى أعداء الأمة وحارب المساجد وواجه التدين وانحاز لكل ما يهدم الإسلام.
 
-وبعيدا عن الخوض في تفاصيل المقال المنشور باسم الدكتور السرجاني إلا أن تناولا سريعا له يدفع إلى تعارض ما ذهب له المقال مع روح الإسلام الحقيقية الصافية التي نستشفها من السيرة العملية للخلفاء  الراشدين رضي الله عنهم عندما يقول أبو بكر إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني ، ويقول قائل لعمر بن الخطاب إن لم تستقم قومناك بسيوفنا.
 
وماذا نصنع بعد ذلك بالحروب التي خاضها الصديق ومن معه من المؤمنين ضد مانعي الزكاة الذين ظلوا على ظاهر إسلامهم وتنكبوا عما يرونه جانيا من الإسلام إلا أنه أبى أن يقبل بأنصاف الحلول التي قبلها كرام الصحابة حينها وقال والله لو منعوني عقال بعير كانوا يعطونه رسول الله لقاتلتهم عليه.
 
هذه بعض الملاحظات التي أراها تضعنا مع المقال المكتوب باسم الدكتور السرجاني موقفا ملائما لا يدفعنا إلى التشكيك في دين الرجل ولا يجعلنا نترك الأمر دون تعليق أو نقاش.