مجزرة رابعة في 14 من أغسطس 2013 كانت تيانانمن مصرية (تيانانمن: هو ميدان السلام السماوي بالعاصمة الصينية بكين وقد جرت فيه مجزرة كبرى شهيرة) حيث قتلت القوات الأمنية 817 مصريا في يوم واحد، في ميدان رابعة فحسب، وما يربو عن 1000 عند حساب عدد القتلى في أنحاء مصر.

لقد كان ذلك أكبر عملية قتل لمدنيين في تاريخ مصر المعاصر، كما أن تلك المجزرة لم تحدث تحت جنح الظلام، ولا في ركن ناء من البلاد، بل حدثت في وضح النهار، وفي القاهرة.

وكنت من الصحفيين والمراقبين الذين تواجدوا في اعتصام مؤيدي الرئيس محمد مرسي في رابعة في الليلة التي سبقت المجزرة، كما كنت شاهدة على الفض العنيف لاعتصام النهضة الأصغر حجما في صباح 14 من أغسطس.

وقع القتل بواسطة قوات الأمن المركزي والقوات الخاصة بتنسيق وثيق مع القوات المسلحة المصرية، وقليلا ما ذكر وجود انشقاقات أو رفض لإطلاق النار.
وبدأت قوات الأمن إطلاق النار على المدنيين حوالي الساعة 6:30 صباحا، وخلال مدة بلغت 12 ساعة، استمرت في إفراغ الذخيرة الحية في أجساد الرجال والنساء والأطفال المحاصرين، على الرغم من الوعود المتكررة بالخروج الآمن.

ولم يكن القتل مجرد فورة عارضة انتهت فجأة كما بدأت، ولا رد فعل مذعور من المجندين في ضباب معركة. وبعد مرور عام، لم يخضع مسؤول واحد للمحاسبة.

سلوك الجيش في رابعة يبدو متناقضا بشدة مع سلميته المزعومة ردا على الاحتجاجات الجماهيرية في يناير 2011، لكن رابعة والتحرير، كل منهما بطريقته الخاصة، يمثلان تحديا للنظريات السائدة حول السلوك العسكري خلال فترات التحدي الشامل.

عندما يواجه النظام انتفاضة جماعية ضده، يعتمد بقاؤه على مدى سيطرته على أجهزته القمعية، وما إذا كانت القوات الأمنية ستفتح النار وتقمع الثورة، أم سترفض تنفيذ ذلك؟ وينظر إلى ذلك الأمر غالبا باعتباره متغيرا ثنائي الخيار: فالجنود إما أن يختاروا الدفاع عن النظام، أو الانشقاق عنه، وفي معرض تلك التحليلات، عادة ما يبدأ الباحثون في إبراز لحظة معينة ينبغي على القيادة العليا الاختيار لمن سيكون انحيازها، وهو ما يشار إليه أحيانا باعتباره "سيناريو نهاية اللعبة". وهناك عوامل تؤثر عادة على عملية اتخاذ القرار، بما في ذلك المتغيرات الداخلية، مثل مستوى الكفاءة العسكرية، والمحسوبية، والتكوين العرقي أو الطائفي للقوات المسلحة.

ومن وجهة نظري، فإن مثل هذا التقييم به 4 مواطن ضعف، أولها أن المتغير ثنائي التفرع لا يمكنه تفسير الحقيقة المعقدة للمظاهرات الحاشدة، وكذلك لا يستطيع أحيانا تفسير سلوكيات غامضة للجيش.

أما موطن الضعف الثاني فيتمثل في خلط الباحثين بين موضوعين، إذ يفترضون أن رفض الجيش قمع المعارضة يعني انضمامه لها على نحو مؤثر.

أما الثالث فهو أن التركيز على لحظة محددة يشوش على فهم مسار الأحداث.

وأخيرا فإن بؤرة الاهتمام ينصب كثيرا على تحليل الأوجه الداخلية للقوات المسلحة، عوضا عن التطرق إلى حقيقة علاقتها مع المجتمع.

وعند تطبيق ذلك على ما يسمى بالربيع العربي، فقد اعتبر باحثون أن الجيش في مصر وتونس انشق عن النظام، بما أجبر حسني مبارك وزين العابدين على التنحي، وخلص باحثون آخرون إلى أن جنرالات مصر اختاروا "دعم الثورة"، أو فسروا سلوك الجيش باعتباره قرارا بالوقوف مع "حركة سلمية"، كما ربط باحثون، على الأقل جزئيا، بين نجاح عزل مبارك وبين قرار الجيش بعدم إطلاق النار على متظاهرين.

ويستشهد الباحثون بأن اختيار معظم جيشي سوريا والبحرين الدفاع عن النظام، سمح لبشار الأسد والملك حمد بالبقاء في سدة الحكم، أما في ليبيا واليمن فحدث انقسام في القوات المسلحة، ما بين الدفاع عن النظام والانشقاق.

ورغم المعقولية التي قد تبدو عليها تلك الحجة، فإنها تثير المشكلات أيضا، حيث إن القول الأكثر دقة هو أن نشير إلى إخفاق الجيش المصري في حماية متظاهري يناير من الفروع الأخرى للأجهزة السلطوية، فخلال الأسبوع الأول من الثورة ضد مبارك، وقف الجيش بجانب النظام، ولقى مئات المتظاهرين حتفهم.

المشير طنطاوي، وزير الدفاع آنذاك، شهد بالتعاون بين القوات المسلحة ووزارة الداخلية.

وبعد مرور أسبوع من ثورة يناير قال الجيش في بيان له: "إلى الشعب المصري العظيم، قواتكم المسلحة تعترف بالحقوق المشروعة للشعب، ولم ولن تستخدم القوة ضد الشعب المصري"، لكن الواقع أن الجيش لم يقم بحماية المتظاهرين من الاعتداءات العنيفة، مثلما حدث في موقعة الجمل في الثاني من فبراير 2011
هناك نموذج مشابه لذلك أثناء مجزرة رابعة, حيث حدثت الكثير من الفظائع في تقاطع شارعي النصر والطيران، حيث تقبع قاعدة عسكرية على أحد جانبي ذلك التقاطع، ومبنى تابعا لوزارة الدفاع على الجانب الآخر.

وكما هو موثق في تقرير للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، فإن قوات الجيش كانت متواجدة في محيط رابعة يوم 14 من أغسطس، بل فتح الجيش قاعدته العسكرية للقناصة، الذين استهدفوا المعتصمين من أعلى القاعدة العسكرية، كما قام جنود بقيادة بلدوزرات كانت تمسح كل ما في طريقها، بما أتاح للقوات الأمنية المسلحة التقدم صوب المتظاهرين.

مروحيات تابعة للجيش حلقت أيضا في ذلك اليوم فوق الرؤوس، كما تمركز الجنود في المداخل والمخارج، ومنعوا المتظاهرين من الخروج من المناطق التي كانت تتعرض للهجوم. وفي النهاية، كانت العملية برمتها تخضع لإشراف عبد الفتاح السيسي، وقتما كان وزيرا للدفاع، وقائدا أعلى للقوات المسلحة، ونائب رئيس الوزراء للشؤون الأمنية.

بالطبع، لم تكن رابعة هي المجزرة الوحيدة بعد الانقلاب، لكنها كانت الأكبر، وربما الأكبر من حيث سبق الإصرار والترصد. وحسب أقوال السيسي وآخرين، فإن الفض العنيف لرابعة كان أمرا مخططا له تماما قبل حدوثه بأسابيع.

الحصيلة الكبيرة من قتلى فض الاعتصام، لم تكن بدافع فقر تدريب أو ظروف غير متوقعة، بل بالعكس، "سار كل شيء وفقا لخطة" وهو التصريح الذي تفوه به وزير الداخلية محمد إبراهيم متباهيا.

خلال يومي 5 و8 من يوليو 2013، قتل نحو 66 شخصا على الأقل في تصادمات أمام نادي الحرس الجمهوري، ولعب الجيش دورا أكثر نشاطا في عمليات القتل التي حدثت خلال هذين اليومين.

كيف يمكن تفسير سلوك الجيش المصري في ميدان التحرير في يناير 2011، وفي رابعة؟ طور باحثون نظريات مفادها أنه كلما زاد الطابع المؤسسي في جيش ما، والذي يعد مقابلا لتنظيم جيش ما وفقا لموروثات، كلما زادت مساحة التشابه بين الجيش والمتظاهرين، في أمور الدين والعرق والهوية الطائفية. وكلما زاد تعداد المتظاهرين، كلما تناقصت احتمالات أن يفتح الجيش نيرانه ضدهم.

واعتبرت إيفا بيلين، في مقالها الشهير "إعادة النظر في صلابة السلطوية في الشرق الأوسط" أن موقف الجيش في ثورة يناير 2011 يوضح النقطة السابقة. ولكن، لماذا إذا يقوم نفس الجيش بالإشراف على مجزرة في أغسطس 2013؟ تفسير ذلك يلزمه التخلي عن مفهوم قيام الجيش المصري بالانشقاق حقا عن النظام في ثورة يناير، والتخلي كذلك عن تأويل سلوكيات الجيش وفقا للمتغيرات ثنائية الخيار.

خلال 17 شهرا تسلم خلالها المجلس العسكري سدة الحكم، بزغ عدد من الجماعات العلمانية، التي بدأت في تحدي الجيش على جبهات متعددة، في وقت امتنعت فيه جماعة الإخوان، على نحو كبير، عن المشاركة في الاحتجاجات المناوئة للمجلس العسكري.

لقد استهدفت مذبحتا بور سعيد وماسبيرو أشخاصا معارضين للحكم العسكري. وبعد الانقلاب على مرسي، كان اعتصاما رابعة والنهضة أكبر تحد لترسيخ حكومة ما بعد الانقلاب، وبرغم أن الأعداد المشاركة في الاعتصامين أصغر من مظاهرات 2011، فإنها كانت أعدادا حاشدة، إذ قدر عدد المشاركين في رابعة فحسب بنحو 85 ألفا، كما امتد الاعتصام زمنا تجاوز ثورة يناير.

أوضحت رابعة أن هناك مشكلة في صياغة نظريات أو أنماط عن السلوك العسكري، استنادا إلى لحظة زمنية واحدة خلال أزمة وحيدة لنظام مخادع كليا، حيث إن قرار القيام بثورة لا يأتي في يوم واحد لكنه تراكم لأسابيع أو سنوات.

فالجنود ربما يطيعون الأوامر يوما، ويعصونها في اليوم التالي، وقد لا يوضعون أبدا موضع الاختيار حول إطلاق النار على بني جلدتهم، طالما تقوم الفروع الأخرى للسلطة بتلك المهمة القذرة بدلا منهم. ومهما كان التنافس المؤسسي بين وزارتي الداخلية والدفاع، فإنهما عندما يحين وقت القتل، تظهران قادرتين على التعاون معا كما حدث في فض رابعة.

في يناير 2011، أعلن الجيش المصري أنه لن يرفع سلاحا ضد متظاهرين مدنيين، لكنه في أغسطس 2013، أشرف على أحد أكبر حوادث القتل الجماعي لمتظاهرين. وسوف تعمل البحوث المستقبلية بشأن الجيش المصري جيدا على وضع تفسيرات لكلتا الواقعتين.

* Amy Austin Holmes  أستاذ مساعد علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية في القاهرة، ومؤلفة كتاب"الاضطرابات الاجتماعية والقواعد العسكرية الأمريكية في تركيا منذ 1945".