ماجد عابدين يكتب: نصائح لتطوير وحسم الثورة المصرية
هذا المقالة هي عبارة عن نصائح عملية ميدانية لتطوير الثورة المصرية،وهي ليست مبادرة جديدة ولكنّها محاولة لوضع همزة الوصل بين إستراتيجية الثورة في مصر وبين ما هو مطروح بالفعل من مبادرات ووسائل وآليات للتنفيذ.
وهي مستلهمة من فصل في كتاب “مكافحة التمرد المسلح”،(Counterinsurgency) المطبوع سنة 2010 للضابط والخبير الإستراتيجي العسكري دافيد كيلكالن الذي شارك في حرب أفغانستان والعراق كأحد واضعي الإستراتيجية الميدانية.
عنوان الفصل هو “أصول مكافحة التمرد” وهو عبارة عن نصائح ميدانية مختصرة من كيلكالن للجنود الإمريكيين في العراق وأفغانستان أثناء الحرب.
إستفدت جدّاً من هذه النصائح وحولتها لنصائح للمقاومة في مصر بالمقام الأول،ولكنّا سنجد أن من بين هذه النصائح مبادئ تناسب المقاومة الإسلامية في كل ساحات الجهاد.
وهذه المقالة كذلك هي الحلقة السادسة والأخيرة من سلسلة المناقشة البحثية لكتاب “حرب العصابات لنفس الكاتب.
لا تحتاج أن تقرأ السلسة كلها لتفهم هذه الحلقة أو بعض حلقات السلسلة،فرغم أن السلسة تعالج قضية واحدة وهي إعطاء الصورة الحقيقية لطبيعة المعركة،ولطبيعة الإستراتيجيات والوسائل المتبعة فيها،ولكنّي راعيت في الحلقات أن تكون مستقلة بموضوعها كوحدة في بناء،يمكن الإنتفاع بالوحدات بمعزل عن سائر البناء ،ولكن طبعاً لا تكتمل الفائدة إلّا بالبناء كاملاً.
وهذه الحلقة الأخيرة لها أهمية خاصّة لأنها تصدر في فترة الإستعداد لموجة 14 أغسطس الثورية،في ذكرى رابعة،كبداية للموجات الباحثة عن الحسم الثوري كما نوّه تحالف دعم الشرعية.
هذه النصائح الهدف منها رفع الكفاءة النوعية للأداء الثوري وفتح الطريق للحسم ،وقد إختصرتها قدر المستطاع في 22 نصيحة لتكون سهلة المنال والمراجعة والحفظ والتطبيق.
نبدأ بإسم الله.
(1)هدف الثورة=إسقاط الإنقلاب والحكم العسكري وإعادة البلد لأهلها لإقامة دولة العدل الحرة المسلمة المتقدمة.
(2)إستراتيجية الثورة=هي إستنزاف النظام حتى يسقط تماماً،وهي نفس إستراتيجية طالبان التي نجحت في هزيمة الأمريكان،فطالبان لم تتبع الطريقة الفيتنامية في تقسيم البلاد لأجزاء محررة تنتقل منها لتحرير الأجزاء المحتلة،مع قدرتها على ذلك،ولكنّها آثرت طريقة جيفارا في أن تحمّل الإحتلال مسؤولية البلد كاملة،ثم تسعى لإفشاله،لتسقط البلد كامله في يدها.(من أراد مزيد تفصيل فليراجع الحلقتين الخاصّتين بأفغانستان في الرابط المجمع في أول تعليق على هذا المنشور).
(3)وسائل الثورة=كما بينت بالتفصيل في الحلقات السابقة ،فإنّه رغم تشابه الإستراتيجي ما بين طالبان والثورة المصرية،ولكن الوسائل إختلفت لخصوصية ظروف مصر التي إضطرتها لوسائل حرب اللاعنف،مع الحفاظ على الحق الشرعي في الدفاع عن النفس كما حدث في وقائع تحرير الحرائر من بعض أقسام الشرطة ،ومن قبل كما تم صدّ البلطجية في موقعة الجمل.
(4)ليست المشكلة في السلمية ،ولكن المشكلة في وقوع الحراك في أسر الصور الإحتجاجية التي لم تعد مناسبة للمرحلة الحالية.
(5)لا بد من ربط إستراتيجية الثورة بوسائلها،فإذا كانت الإستراتيجية هي الإستنزاف،فالوسائل لا بد أن تستنزف النظام فعلاً،وليس أن تكون تسجيل حضور أو إظهار إحتجاج فقط!
(6)لا بد للحراك الثوري أن يهين النظام،ويظهره أمام نفسه وشعبه والعالم في صورة العاجز، المغلوب على أمره، الغير قادر على السيطرة،يجب أن تكون كل فاعلية ثورية عبارة عن صفعة جديدة ترسخ في ذهن الجميع أن النظام عاجز عن حفظ الأمن كما هو عاجز عن تقديم الخدمات الحكومية للشعب،ليزيد السخط الشعبي أكثر كلما شعر بعجز وفشل وفساد النظام أكثر،لندخل في دائرة مفرغة تنتهي بإنفجار شعبي،كما شاهدنا مثلاً العالقين في ليبيا من أنصار السيسي يسبونه ويترحمون على أيام مرسي عندما شعروا بعجز الحكومة الكامل عن خدمتهم.
(7)كيف نهين النظام؟أكبر خطأ أن نسعى لأهداف ومعارك ضخمة من الأول،كإقتحام ميدان التحرير مثلاً،بل الصحيح هو أن نبدأ بأهداف سهلة ونحقق انتصارات مبكرة،مثل أن يقوم الثوار بإقتحام مجلس مدينة مثلاً مستعملين ما دون الرصاص من وسائل الهجوم،ويكون الهدف وضع صورة الرئيس مرسي أو علم رابعة أعلى المبنى أو في المكتب الرئيسي له ،وتصوير ذلك ،ثم الإنصراف قبل حضور الأمن،لتبدأ عملية إقتحام أخرى في مكان حكومي آخر ،ثم تصور وتنشر لإذلال حكومة الإنقلاب وإظهارها في صورة العاجز عن السيطرة،وإنهاك قواتها في مطاردة الثوار في كل أنحاء القاهرة أو الجمهورية بدلاً من التمركز في ميدان التحرير أو رابعة.
هذه الإنتصارات السريعة السهلة ترفع معنويات الثوار وتدربهم على فنون الإقتحام لترتفع الكفاءة تدريجياً بالخبرة،ويرتفع معها القدرة على الإقتحام كمّاً وكيفاً،وكلّما زادت الإنتصارات كلّما إنجذب الناس للثورة،لأن الناس تنجذب للقوي القادر على الإنجاز.
(8)يجب أن يكون الإقتحام مفاجئ وخاطف،لا ينبغي أبداً أن يذهب الثوار لأماكن يعلم الأمن مسبقاً أنّهم سيذهبون إليها،فينظم نفسه وينشر قنّاصته ليصطادوا الثوار فور وصولهم.
(9)الأصل في حرب اللاعنف هو الهرب من الخطر وليس مواجهته،تذكّر أن هدفك هو إذلال النظام وليس مواجهته في معركة غير متكافئة،إذا انكشفت العملية،اهرب فوراً،وخيرها في غيرها.
(10)يجب أن تكون المسيرات صغيرة نسبياً وتتحرك لأكثر من هدف في نفس الوقت.
(11)لا أقصد حصر الحراك في الإقتحام بل يمكن أن تتم عمليات أخرى مثل قطع طرق،أو رسم جرافيك ثوري على مباني حكومية مشهورة الخ،القصد هو إذلال النظام بعمليات مفاجئة خاطفة تهينه وتظهره في صورة العاجز الفاشل الضعيف.
(11)تعرف على المنطقة التي سيكون فيها الحراك الثوري جيداً جداً،اعرف الناس والشوارع،مطلوب أن تكون خبير العالم الأول في هذه المنطقة،أحصل على خريطة للمكان،إقرأها قبل النوم وراجعها في الصباح،وكرر المراجعة حتى تحفظها عن ظهر قلب.إذهب الى المنطقة قبل الأحداث الثورية واربط ما بين الواقع وما بين الخريطة التي في ذهنك.
(12)يجب أن يكون الثائر خفيف الحركة،يعرف مخارج المنطقة ومخابئها جيداً جداً،وعنده تصور ذهني كامل للفاعلية ولخطة للهروب أولاً،وخطة الإختباء ثانياً إن عجز عن الهروب.
(13)يجب أن يكون هناك عيون ثورية وظيفتها مراقبة تحركات الشرطة أثناء الفعاليات الثورية وتحذير الثوار للإنصراف في الوقت المناسب،كما يجب أن تراقب هذه العيون شبكات التواصل لمعرفة أي التحولات الكبرى تستدعي تغيير مسار الفاعلية.
(14)يجب أن يكون هناك فريق إعلامي مع كل فاعلية ثورية يوثق الحدث،وينشر رسائل الإستنجاد عند اللزوم.
(15)يجب أن يكون هناك مجموعة من الثقات عندهم قدرة على التخطيط وتحليل الأحداث عن بعد،ينظروا في المعلومات الواردة من المواقع المختلفة،ويقرأوا تطورات المشهد الكلّي من أعلى ،وينشروا توصياتهم على العموم،لتلتقطها العيون الثورية وتتفاعل معها حسب الحاجة.
(16)لا بد أن يكون هناك رواية واحدة للأحداث،يوثقها الميدانيون،ويحللها المنظّرون،ليجمعوا عليها جميعاً،هذا وحده من أقوى وسائل كسب الرأي العام.
(17)لا بد من إقامة جهاز مخابرات ثوري،تشكله مجموعات صغيرة من الثوار في مناطق سكنهم وعملهم،وظيفتهم أولاً أن يعرفوا أهل منطقتهم جيداً ليعرفوا إجابات الأسئلة الآتية:من هم أعداء الثورة الفاعلين في المنطقة؟ما هي دوافعهم؟هل يمكن جذبهم للثورة بنفس الدوافع التي جعلتهم يحاربوا الثورة؟من هم البلطجية؟وهل منهم من يمكن كفاية شرّه عن طريق دعوته الى الله أو مساعدته في إيجاد فرصة عمل تغنيه عن البلطجة؟
ثانياً كل واحد في عمله،الطبيب والمهندس والمدرس والمحاسب و الزراعي والصناعي والتاجر والحرفي ،كل هؤلاء يجب أن يوثّقوا مظاهر الفساد والفشل ليتم نشرها بين الناس.
بل كل ثائر يجب أن يعمل كصحفي متحرك معه كاميرا لتوثيق أي مظاهر فساد أو فشل تظهر له.
(18)لا بد من رفع الثقافة الحقوقية لأعلى مستوى ممكن،فكلما زادت معرفة الحقوق،كلما زادت القدرة على رصد إنتهاكاتها وتوثيق هذه الإنتهاكات.
(19)لا بد أن يكون هناك فريق ردع ثوري،دوره توثيق جرائم ضباط الشرطة والبلطجية الذين يسفكون الدماء وينتهكون الأعراض،ونشر صور هؤلاء المجرمين مع إدلة إدانتهم وعناوين سكنهم وعملهم،مع الفتوى يأنّ دمّهم هدر بسبب جرائمهم،وأن من إستطاع قتلهم فليقتلهم،ولا سبيل لرفع أسماءهم من قائمة الإعدام إلّا بإعلان توبة على الملأ،هذه التوبة ترفع إسمهم من قائمة الإعدام،مع الإحتفاظ بالحق في محاكمتهم بعد سقوط الإنقلاب.
مجرد الإعلان عنهم سيرهب الباقين،ولو قتل واحد منهم فسيرهبهم ويردعهم ذلك أكثر،وكذلك يجب ان تستمر وتنتشر عمليات تحرير الحرائر من أقسام الشرطة لتكون سمت عام للثورة،وليعلم المجرمون أن الدماء والأعراض خط أحمر من يستهين به ويتخطاه يعرض نفسه لخطر شديد.
(20)يجب أن يتمّ إستغلال وقت الهدوء الثوري في بناء الشبكات الثورية وكسب أنصار جدد للثورة،يجب أن يستقر في الضمير العام أن حل المشكلات التي نعاني منها جميعاً هو أن تعود البلاد لأصحابها ليرعوها حق رعايتها،لا أن تكون أسيرة في يد عواجيز العسكر الفاسدين الفاشلين.
(21)النساء ثمّ النساء ثمّ النساء،إذا كسبنا تعاطف النساء فقد كسبنا المعركة،فوز النساء في صف المقاومة معناه في الغالب الفوز بأزواجهنّ أو أبناءهنّ أو إخوانهنّ أو كل هؤلاء.
للأسف خطاب المقاومة موجه بشكل أساسي للرجال،طبعاً نحن لن نفعل كما فعل النجس الفاشل ونبحث عن رجال جاذبين للنساء،فهذا أسلوب نجس وفاشل كصاحبه،ولكن كما أنّه لا يفل الحديد إلا الحديد،فلن يستطيع أحد كسب النساء في صف المقاومة مثل النساء أنفسهنّ،لا بدّ للحرائر من أن يؤسسن لنا خطاباً مقاوماً يناسب النساء،خطاباً يلاحظ دوافعهنّ ويعرف كيف يحركها،كما يجب عليهنّ ان يعملن بإستمرار وبحكمة على كسب متعاطفات جدد للثورة من خلال دائرة معارفهنّ من الجيران والزميلات في العمل أو الدراسة.
(22)أخيراً،يجب عليك أيها الثائر أن تتهيأ نفسياً أنّ هذه ليست نزهة بل مغامرة تتحمل فيها مخاطر الإعتقال أو الإصابة أو القتل،لذلك يجب أن تكون مؤمن بقضيتك وموقن أنّك صاحب الحق و تحتسب كل ذلك في سبيل الله،وقد كتبت مقالاً فيه تأصيل شرعي للمقاومة بينت فيهما أن مقاومة الإنقلاب واجب الشرعي،وان الموت من أجل إسترداد شرعية الحكم في الدولة المسلمة هو شهادة في سبيل الله ويمكن قراءة هذا المقال من خلال الرابط الموحد للحلقات السابقة ولمقالاتي الخاصّة بالمقاومة،أضعه في أول تعليق على هذا المنشور .

