نافذة مصر
لم يعد يدهشني أن يجري التعبير عن حب عبد الفتاح السيسي "بهز الوسط" المختفي في ظروف غامضة، فلا أعرف لماذا كل النساء المحتفيات بالسيسي رقصًا، بدين للناظرين، وكأنهن أعجاز نخل خاوية، وللدقة فهن كأشجار الجميز، وقد اختفى الحد الفاصل بين نصفي الجسم، وسط تلال الشحوم، وكأنهن يأكلن مع "عميان"!.

منذ الانقلاب، والتعبير عن تأييد السيسي، يكون بالرقص. فقد أدخل انقلابهم" هز الوسط" ضمن أدوات التعبير السياسي. وقد شاهدنا وصلات الرقص، مع كل طلب حضور من السيسي لأنصاره، ومن أول الدعوة للاستفتاء على الدستور، إلى الدعوة لإعلان تأييده في الترشح. ومؤخرًا دعت الحملة الانتخابية للسيسي الأنصار للاحتشاد في قاعة المؤتمرات الكبرى بمدينة نصر، فكان العدد قليلًا على خلاف المتوقع، فتم سد العجز في الحضور بالرقص إعلانًا لحب السيسي، وتأكيدًا على أنهن في خدمة سيادته.

الرقص يكون عندما تتعطل لغة الكلام، والراقصات لا يجدن من الكلمات ما يعبرن به عن موقف سياسي، فماذا يمكن أن تقول واحدة بسيطة عن سبب تأييدها للدستور، أو سر تأييدها للسيسي، وهو ليس له إنجاز يُذكر على أي مسار. وكل المشكلات التي كانت مبررًا لرفض الرئيس محمد مرسي، وتأكيد فشله، هي الآن أكثر عمقًا، ومن أول الأزمة الاقتصادية التي أصبحت انهيارًا اقتصاديًا غير مسبوق، إلى ارتفاع الأسعار، إلى عجز الأمن عن القيام بمهامه. وقد ثبت أن الغياب الأمني كان مستهدفًا في عهد مرسي وباعتراف وزير الداخلية نفسه، لكن الغياب الآن بشكل فاق ما كان سابقًا، مع توافر الإرادة على تحقيقه!.

ربما تذكرون أن الحديث كان دائرًا في عهد مرسي عن حالة الانقسام التي أنتجها حرص جماعة الإخوان على السيطرة والاستحواذ، فإذا بالاستقطاب يصبح بعد الانقلاب على أشده، وإذا بالانقسام غير مسبوق، ويوشك المصريون أن يضرب بعضهم أعناق بعض، وهذا من جراء سياسات الانقلاب.

وتذكرون أيضًا أنه كلما تمت دعوة قوى الفشل السياسي لجولة انتخابية، ليصبح الشعب فيها هو الحكم، يكون الرد أن حالة الاستقطاب لا توفر مناخًا جيدًا للانتخابات. الآن يتم الدفع بهم للانتخابات دون اعتراض منهم. ودون استخدام لهذه الحجة التي رفعوها في عهد مرسي.

ما علينا، فالراقصات في مناسبات عبد الفتاح السيسي المختلفة، ليس عندهن كلام يمكن أن يقلنه، ولهذا فعندما يستغنون عن"الخرس السياسي" بوصلات الرقص الشرقي فإن هذا مبرر، لاسيما أن من تكلمن كن فضيحة. وقد استمعنا إلى هذه الطبيبة التي تتحدث عن السيسي كما لو كانت فتاة مراهقة،" تتشحتف "على النجم التركي "مهند"، أو النجم الهندي "امتياب باتشان". وعندما غابت السياسة صار من الطبيعي أن يتم تقديم السيسي على أنه "ساحر النساء".. وممزق قلوب العذارى.. إربًا.. إربًا.

هذا كله لم يعد يدهشني، وإنما كانت دهشتي كبيرة عندما ضبطت نفسي متلبسًا بالدهشة لعلمي أن " الانتخانة" ألقت ما فيها وتخلت، فإذا بعدد من " الزواحف من النساء"، ينزلن لأحد شوارع وسط القاهرة، ويرقصن تأييدًا لعبد الفتاح السيسي، في مشهد لافت، وكاشف عن أن شيئًا ما في أعلى الرأس قد توقف.

لغير المصريين فإن " الانتخانة"، هي المكان الذي يبيع المومياء والتماثيل القديمة، والمحنط منها، ولهذا فإنه يقال وصفًا للزواحف من النساء، إنهن القادمات من "الانتخانة". وهن في مرحلة متأخرة عن " القواعد من النساء" اللاتي يئسن من المحيض.

"أصل الحكاية" أن مجموعة من الشباب وقفت في ميدان بوسط القاهرة، وهتفن بسقوط حكم العسكر، لكن نساء أحد الأحزاب اليسارية، كن في اجتماع أو شيء من هذا القبيل، وبعضهن من مخلفات الحرب العالمية الثانية، ومع هذا فقد هرولن للرد على هؤلاء الشباب بشكل عملي.

أسماء معروفة، نزلن للرد، ولإثبات الحب الحقيقي لقائد الانقلاب، وفي حماسة لا تتفق مع أعمارهن المتقدمة وعدم قدرتهن على الحركة، وربما أغراهن أن الشباب الذي يهتف من الإخوان المسلمين، فلن يصطدم بامرأة خجلًا، وربما أدبًا.

كان مشهدًا ساخرًا، وهؤلاء يرقصن، ويتصرفن بأيديهن على طريقة " يا عوازل فلفلوا "، وهي أمور تصلح للعراك الحريمي في الأحياء الشعبية. وقد هتفن:" يا سيسي يا عمهم يا حارق دمهم".

ولعل المفاجأة بالنسبة لهن أن الشباب لم يغادر المكان، ليسعد السيسي بموقفهن ونضالهن من أجله، فيوفهن أجورهن فريضة، من المحبوب لمن يحبه، وهن اللاتي فقدن الأمل في أي مغنم يأتي من خلال الحكم الإخواني.

قد يكون شباب الإخوان تغير، فلم يعد هو الشباب المؤدب، أو مدعي الأدب، فصار يجهر بالسوء من القول، نتيجة الظلم المتراكم، وربما لم يكن هذا الشباب المتظاهر ضد حكم العسكر من الإخوان. وهناك خطأ يقع فيه البعض عندما يختزل رفض الانقلاب والانحياز للشرعية في جماعة الإخوان.

اليسار المصري يعيش أزمة بعد أن أيقن أن الجماهير لن تمكنه من شيء، وأن حظوظه في الحياة الدنيا، لا تكون إلا بالتبعية لأي حاكم مستبد، وهو ما لا يمكن أن يكون لهم من خلال الأنظمة المنتخبة، فكان لابد من أن يروا في الانقلاب العسكري، المنقذ ليقفزوا على ظهر الأرض من جديد، وأن يروا في عبد الفتاح السيسي أملهم لأنه رجل بلا حزب، وهم يمكن أن يكونوا في خدمته، فبالغوا في إثبات الولاء. واللافت أن الشباب الذي هتف بسقوط حكم العسكر، هتف ضدهم وضد " الانتخانة" التي قدموا منها، وحملهم على العودة من حيث أتوا.

والمدهش عندما نجد من بين النساء المثقفات المنتميات لليسار، من قمن بإعادة صياغة واقعة سحل فتاة، تنتمي للثورة، في أحد تجلياتها، وصورتها وهي مسحولة هزت الضمير الإنساني، على نحو دفع المجلس العسكري الحاكم للاعتذار عما جرى. وهي الواقعة التي استخدمت، مع تخلي الإخوان عن نصرة الثوار في شارع محمد محمود، لإثبات خيانة الإخوان للثورة، لأن أصواتًا تنتمي للإسلام السياسي بدلًا من أن تلوم الجاني، تساءلت: ومن الذي أخرجها. لتبرير جريمة السحل التي تعرضت لها؟!.

أدهشني في زمن المتاجرة بالتضحيات أن هذه الفتاة انزوت ورفضت الغواية الإعلامية. وعندما وقعت الواقعة، أخبرني زميل أنه يعرف الفتاة، فكلفته بأن يجري معها حوارًا صحفيًا، لكن أبهرني رفضها. ولم يقل أحد أنها فتاة غير مصرية، كما لم يقل أحد إن الشاب الذي ظهر في الصورة يسحلها هو الناشط أحمد دومة. لكن "حيزبونات اليسار المصري" يقلن الآن إنها فتاة تونسية، وأن ما جرى كان مشهدًا تمثيليًا استهدف الإساءة لحكم العسكر، وأن الشاب الذي كان يرتدي بدلة ضابط هو أحمد دومة. ذلك بأن هناك من يتهم الجهاز الذي كان يرأسه عبد الفتاح السيسي بأنه من قام بسحل الفتاة.

ماذا يردن من الدنيا وزخرفها، وهن في مرحلة متأخرة؟. سؤال منطقي لكن الأكثر منه منطقية، أن الدنيا حلوة خضرة، وأن ابن آدم يشيب وتشب معه خصلتان الحرص وطول الأمل.

يا لها من نهاية بائسة.