نافذة مصر
الأحـرار بين الجور والطغيان
الحكم الصادر يوم الاثنين الماضي من محكمة جنايات المنيا باعدام 529 من جماعة الاخوان المسلمين بتهمة الشروع فى قتل شرطى لم يمت ، وفى جلسة استغرق انعقادها 7 دقائق ، ولم يحضرها الا هيئة المحكمه ، وحراسها ، وغاب عنها المتهمين ، والمحامين ، هو حكم صدر بالدرجة الأولى مفتقدا لأى معيار قانونى فى مصر ، أو حتى له سابقة فى أى دوله من دول العالم يمكن اخضاعه عليها ، ولم يدرك القاضى الذى أصدره ، ولا من أعطى أمر اصداره ، أنه حكم باعدام القضاء المصرى بكامله ، ومسحا بأستيكة لماتبقى له من سمعة طيبة اكتسبها عبر أجيال ، وأجيال ، وتدنيس بالأوحال لماتبقى له من شرف ، وحتما سيؤدى كل ذلك بغباء شديد الى انهيار المنظومة القضائيه والقانونيه فى مصر عن آخرها لامحالة ، بعد أن كانت راسخة كالجبال .
أعتقد أن المؤرخون سيسجلون فى صفحات التاريخ الفترة القادمة انتفاضة واسعة ستشهدها مصر ، ستكون شرارتها هذا الحكم الذى لايختلف عليه أحدا من رجال القانون الذين تواصلت معهم ، حتى الذين يبغضون الاخوان ، ويكرهونهم كراهة التحريم ، انه الظلم بعينه ، والقهر بذاته ، وجريمة ضد الانسانية بغطاء قانونى ، وكارثة انسانية لم يتعرض لها القضاء المصرى عبر تاريخه ، وموقف لم يشهده عبر مراحل انكساره ، وترديه ، فى التاريخ القديم ، والحديث ، والمعاصر ، وشهادة موثقة ، ودامغة ، بوفاة العدالة فى مصر ، واقرارا بانتهاء دولة القانون ، والانتقال الى مجتمع الاجرام ، والقهر ، والظلم ، والتنكيل ، والتعذيب ، تحت مظلة القضاء ، وحمايته
ان حكم الاعدام الذى صدر ، والأحكام التى سبقته فى الفتره الأخيره بلا تفاصيل ، لم نرى مثله حتى فى بلاد الواق واق ، والتى تركب الأفيال ، بل ورسخت للعدالة الانتامية فى مصر وجعلتها من المسلمات ، ووضعت المنظومة القضائيه أمام علامة استفهام لايسعها مابين السماء والأرض ، الأمر الذى تبدد فيه تاريخ طويل من الحفاظ على قدسية ، وتوقير القضاء ، خاصة بعد أن أهانه سدنته .. ياسادة ياكرام أخشى بعد مانراه الآن ، أن يترسخ مفهوم كارثى لانستطيع فيه توجيه اللوم لأحد من المظلومين اذا جمحوا ، وأن يكون البديل هو شريعة الغاب التى ستنتعش حتما على أشلاء انهيار دولة القانون وغياب العدالة .
ان هذه الأحكام الكارثيه الصادمة هى محاولة بائسة لدفع الشباب دفعا الى اليأس وحمل السلاح ، وتشكيل جماعات عنف ، وكذلك التمهيد لخلق مبرر لعمليات العنف ، والاغتيالات ، والتفجيرات التى قد يشرف عليها قوى الانقلاب وينفيذها أعوانهم من هذه الجماعة الوهمية المسماه بيت المقدس ، أو رجال دحلان ، والصاقها بالاخوان المسلمين لخلق مناخ شعبى معادى لهم داخليا ، وخارجيا ، يسمح لهم بارتكاب المزيد من العمليات الاجرامية الممنهجة ضد الاخوان ، والمزيد من المجازر فى حقهم ، لايتعاطف معها الناس ، أو المجتمع الدولى ، واصدار أحكام أخرى بالاعدام قد تطول الرئيس د. محمد مرسى نفسه ، وتبقى فرصة أمام القوى السياسيه الذين غاب ضميرهم الوطنى طويلا بمباركتهم لما حدث ويحدث ، أن يطهروا أنفسهم من عار المشاركه ، والمباركة لهذه البشاعه ، وينقذوا سمعتهم أمام أبنائهم ، والتاريخ .
اللهم أخرجنا من هذه البلدة الظالم أهلها بخذلانهم لأهل الحق ، وحكامها الذين يحكمون الوطن غصبا ، حتى طغوا وتجبروا ، وقضاتها الذين بغوا ، واعلامييها الذين كذبوا ، ومثقفيها الذين سفهوا ، وساستها الذين انحرفوا عن الصواب ، وأحزابها الذين ركعوا للطغاه ، ودعاتها الذين صمتوا عن قول الحق حتى أصبحوا كالشيطان الأخرس .
ختاما وللتاريخ .. واهم من يظن أن الحكم الذى صدر ، وألف حكم مثله يمكن أن يرهب الاحرار ، ويبدد جهد المناضلين ، ويثبط عزائمهم ، ان الصمت على هذا الانتقام كما فعل ويفعل علماء السلطان الذين كنا نظنهم من الاخيار لهو جريمة عند أصحاب المبادىْ ، ودونها الرقاب عند الاحرار ، لذا ورب الكعبة ان لقاء الله عز وجل ، والتضحية فى سبيله ، ولو بالروح ، لهو أفضل من البقاء فى هذه الحياة الدنيا كالعبيد الأذلاء ، الذين يرضخون للقهر ، ويرضون بالظلم ، ويصمتون عن قول الحق ، ويجبنون عند مواجهة الظلم ، فاللهم ثبتنا على الحق .

