نافذة مصر
لاشك أن الحراك الثوري المستمر في مصر، قلب العديد من الحسابات الداخلية و الخارجية، وأعاد تشكيل التحالفات السياسية الإقليمية، و هو ما يعنى نجاحا للحراك الثوري على الأرض، وخصما من رصيد معسكر الانقلاب الذى أصبح ينوء كاهله بملفات ثقيلة لا قبل له بحملها ولا التعامل معها، من أزمات اقتصادية طاحنة ومجتمعية وسياسية وخارجية كذلك أبرزها سد النهضة الإثيوبي
موجة ثورية جديدة أمام هذه المعضلات التي يقابلها الانقلاب في مصر دعا التحالف الوطني لدعم الشرعية ورفض الانقلاب مع العديد من الحركات الشبابية الرافضة للانقلاب العسكري إلى موجة ثورية قوية تبدأ من 19 مارس القادم ولمدة عشر ايام على الأقل
هذه الموجة الثورية الجديدة التي دعا لها التحالف في بيانه الذى صدر يوم (10 /3/ 2014م ) جاء فيه : "لقد تم دراسة الملاحظات الثورية العديدة على الموجة الثورية الأولى التي دشنت في الذكرى الثالثة لثورة 25 يناير، ووعى الإيجابيات والسلبيات ،
ويدشن التحالف هذه الموجة في ضوء دراسة ميدانية تستجيب للملاحظات وتتقدم بالثورة". هذه العبارة تعنى جيدا أن التحالف أدرك جيدا واعترف بوجود سلبيات في الموجة الثورية التي انطلقت 25 يناير، والتي نجحت في الحشد المليوني في القاهرة و على مشارف التحرير و لكنها لم تغير من معادلة الصراع شيئا على الأرض، و هو ما تسبب في حالة إحباط كبيرة لقطاعات واسعة من الرافضين للانقلاب العسكري. طبيعة المعركة في هذا المقال نحاول وضع بعض الملاحظات و التنبيهات لجمهرة الثوّار في فهم طبيعة الصراع و كيفية تطويره على الأرض
يجب أن يعي الجميع عدة أمور في الموجة الثورية القادمة منها: أن الداعي الأصلي للتظاهر هم الشباب الرافض للانقلاب، و بالتالي هو من يمسك بزمام الحركة على الأرض، من برامج و آليات للتصعيد الثوري، و بالتالي يجب عليهم ألا ينتظروا هم تعليمات فوقية من أحد، بل يجب أن يكون حراكهم ذاتيا في ظلال قاعدة أن كل ما دون الرصاص فهو سلمية و أن كل ما دون القتل فهو سلمية . كذلك لا توجد وعود وردية من أحد بأن هذه الجولة هي نهاية الانقلاب و لكنها جولة تكسير لعظامه ،
و هذه كانت أحد سلبيات حراك 25 يناير الماضي حيث تم تقديمه للناس على أنه نهاية الانقلاب. أيضا الثوّار أصبحوا يدركون أن إدارة الصراع تغيرت من فكرة الحشود المليونية الضاغطة كما حدث في 25 يناير 2011،
إلى فكرة العمليات النوعية لإنهاكه وإصابته بالشلل والرعب. ليس معنى هذا التنازل عن الحشود المليونية ، فهي الوعاء الحاضن للثورة و هي التي تجعل الفعل الثوري حاضرا و مستمرا، لكن أمام بطش ميليشيات الانقلاب ، أصبح التعويل على العمليات النوعية هو الأكثر جدوى. جمع النقاط و ليس الضربة القاضية من المهم أيضا أن نعلم أن إسقاط الانقلاب يعتمد بعد الله على قاعدة جمع النقاط و ليس الضربة القاضية ،
بمعنى آخر جمع نقاط فشل اقتصادي على فشل سيأسى، على فشل في الطاقة ( الكهرباء و الوقود ) على فشل دولي على فشل في إدارة الخدمات الأساسية للدولة ، المحصلة النهائية لتجميع النقاط هي الفشل الكلى وسقوط الانقلاب. يجب أن نفهم أن الحراك على الميداني على الأرض لا يستطيع أن يصرّح التحالف الوطني بتفاصيله الميدانية فالإعلان عنها يفشلها أو يزيد الضغوط على الثوّار محليا و دوليا، فليس كل ما هو ممكن فعله يقال. فهم طبيعة الصراع جيدا وأنها معركة ذات جولات متعددة ليس محليا فحسب بل إقليميا و دوليا كذلك
و أن إسقاط الانقلاب ما هو إلا جولة واحدة في معركة ملحمية كبرى وفارقة في تاريخ العرب والمسلمين ، و التداعيات التي تحدث خليجيا وعربيا ودوليا كلها إرهاصات عن أن المعركة الدائرة حاليا في مصر، ليست ثورة ضد نظام فاسد فاشي وحسب، لكن لها توابعها على المنطقة بأكملها . أخيرا يفهم كثير من الثوار السلمية بشكل خاطئ تماما، و هو ما يطيل أمد المعركة ورغم أنها تحقق نتائج جيدة حتى الآن في دحر الانقلاب إلى أنها لا تستطيع أن تحسم الصراع بأي حال إلى بعد وقت طويل
السلمية كما أعرفها وأفهمها هي عدم القتل أو استخدام أو حتى حمل سلاح قاتل، هذا هو مفهوم السلمية و حسب، لا يجوز قتل أحد على الإطلاق و لا يجوز حمل سلاح قاتل كمسدس أو بندقية أو سيف أو نحو ذلك هذا هو المحرّم في أسلوب التغيير بالوسائل السلمية وهي الإستراتيجية الأساسية التي أقرّها التحالف الوطني لدحر الانقلاب وارتضاها الشعب و يحقق بعون الله نجاحاته بها
حرب إرادات وما دون ذلك من وسائل وأساليب فلابد أن يستخدمه الثوّار، فنحن في حرب إرادات ، ونتعامل مع انقلاب لا يفهم سوى منطق القوة لا قوة المنطق، و لن يخضع و يتراجع إلا بمنطق القوة التي يملكها الثوّار
يجب على الشباب و طلبة الجامعات أن يبتكروا وسائل جديدة و متنوعة لإرغام قوات الانقلاب على التراجع ، وهذه الوسائل كثيرة للغاية وغير مكلفة و سهلة الاستخدام .
الأهداف الميدانية هذه الوسائل لا بد أن تحقق عدة أهداف أساسية منها شلّ حركة القوّات و المركبات التي تطلق الرصاص الحى على المتظاهرين، وربما نصل بذلك لإخراجها من الخدمة نهائيا. تحقيق توازن الردع أثناء الاشتباك مع قوات الانقلاب لإجبارها على الانسحاب. حماية الحشود أثناء التظاهرات من وسائل العنف المستخدم من قبل القوات الانقلابية جعل القوات في حالة إنهاك مستمر بدنى و نفسى. استخدام وسائل أخرى مع المظاهرات فهناك عشرات الوسائل الأخرى لدحر الانقلاب غير التظاهر. تأمين حركة واتصالات القيادات الميدانية للحراك الثوري. هذه هي الأهداف الأساسية التي يجب على الثوّار و خاصة الشباب البدء فورا في تفعيلها وابتكار وسائل و طرق لتنفيذها أكرر هذه الأهداف لابد أن تتوافق كلية مع الإستراتيجية الأساسية وهى عدم استخدام الرصاص الحى تجاه الأفراد بأي شكل من الأشكال و عدم حمل أي سلاح قاتل هذه محرمات الثورة . هذا الفهم للحراك الثوري هو ما يفرق الفعل الثوري و بين الاحتجاج السلمى، الثوّار هم من يضعون القواعد التي تدار بها المعركة ، و المحتجّون يلتزمون بالقواعد التي يضعها لهم النظام ، هذه الأفكار تحتاج الشباب و طلبة الجامعات هم من يقدرون على تنفيذها و إبداع غيرها، هم وقود الثورة و قلبها ، يدافعون عن مستقبلهم و مستقبل أمتهم ، هذه معركتكم في سبيل الله و الوطن و التاريخ.

