د.أحمد السعيد
فى السرد القر آنى تجد الإجابة لأمراض القلوب وأوبئة الواقع والوجود, ولعل الواقع الحالى يمكن أن تجده فى السياق القرآنى بتعبير يوضح الحالة ومعه الحل الناجع الذى يجسد الحقيقة الخالدة والقانون الربانى الثابت, الذى يعطى النصر والعزة للحق الناصع, والهزيمة مع الذلة للباطل المحض.
وبالعودة لعنوان المقالة, نجد أن قصة موسى وهارون مع فرعون العصر والمِصْر تتكرر من وقت لآخر, وتتراءى أمام أنظار الجميع لتكون للعالمين نذيراً.
فمن المعلوم, أن فرعون علا فى الأرض وجعل أهلها شيعاً, يستضعف طائفة منهم, يذبح أبنائهم ويستحى نسائهم.
وماكان ليد فرعون أن تصفو من دماء ومظالم وعدوان. لذا كان طلبه الواضح المدوى "ذرونى أقتل موسى وليدع ربه". وهذا هو دأب الطغاة الديكتاتوريين الذين يطلبون أن تُطلق أيديهم لعنانها فيرتشفوا من دماء الأحرار والمؤمنين.
ومن المسلمات التى لايمارى فيها أحد, أن فرعون كان من المفسدين. وكان لايعتقد أو يظن للحظة واحدة أنه على خطأ, أو أنه قد ضَل أو أَضَل عن سواء السبيل, فهو مايريهم إلا مايرى ومايهديهم إلا سواء السبيل.
ومن المقطوع به, أن فرعون قد إستخف قومه فأطاعوه, فكان مصيرهم الإغراق فى اليم وهو مليم.
ومن البديهيات أن الرجل قد أصابته أمراض النفوس والقلوب فهوت به فى مهالك الحال والمآل, حتى صاح مزهواً "أنا ربكم الأعلى".
وماكان فرعون لِيكون فرعون إلا إذا كانت له السدنة والكهنة, ومن خلفهم المغيبين ذهنياً, والمنسحبيين إرادياً, والضعاف عقلياً. الذين سجنوا عقولهم, وأعطوا مفاتيح هذه الزنازين لمن تلاعب بها, وطمس عليها, فأخلدها فى النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب.
وواقعنا يجسد الصورة السابقة, وكأنه تكرارٌ للدرس بحذافيره, فلمحه المؤمن ونجح فى إختباره, وفشل الفاسد فى فهمه فظهر ذلك فى بصمات قوله وأفعاله. فتمايز الناس بين الخبيث والطيب.
فتجد الآن مَنْ جعل لمصر شعبين, يعيشون على أرضها, ويستظلون تحت سمائها, ولكنهم شيع تتناحر فكرياً وحوارياً, وفى بعض الأحيان قتالياً.
وتجد أن هذا الفرعون الجديد إتخذ نفس سبيل سالفه, فقتل المعارضين حرقاً وقنصاً, ولم يَرعىْ حُرمة نفس ولاسن ولا إمرأة ولا حتى مسجد. وكانت أفعاله من الأفعال المتنوعة التى فاقت أفعال فرعون, والتى جمعت بين أفعال العديد من الطغاة المفسدين الظالمين من أمثال صاحب الأخدود, وصاحب طروادة, وعتاة التعذيب للصحابة الكرام, ومجرمى محاكم التفتيش. دون أن ينسى أن لِسوط فرعون خصائص أصيلة ومقيتة لايمكن أن يتخلى عنها حتى يضمن الإرهاب والإرعاب من خلال تفويض وهمى من شعبه المُستذَل.
ولقد سار فرعون عصرنا على خطى فرعون كل عصر, فما يرى إلا كل ماهو صحيح, وماينطق إلا بكل ماهو حصيف وفصيح, ومايفعل إلا كل ماهو سليم وسديد, وهو ضالٌ مضلٌ فى حقيقته وفى ذاته, حتى أن زَلات لسانه تفضحه, فالمرء مخبوء تحت لسانه حتى إذا تكلم ظهر. لذا لم نجد إلا نفس خبيثة ملأها الحقد والحسد والغل والبغض لكل ماهو شرعى أو إسلامى.
ومن المحزن للنفس الوطنية السوية, أن تجد أن إستخفاف العقول يتسرب من العصور القديمة لتجد آثاره فى عصرنا ومِصرنَا, وكأنهم تواصوا به, بل هم قوم طاغون. وكأن قدرنا أن نحيا مع مُغيبى الذهنى, نَاقصى العقل, مُستذلى النفس, عَبيدى البيادة. ولم يذكر لنا القرآن أن منهم من كان يرقص لفرعون موسى فى الطرقات والشوارع, ولم يصل لعلمنا أن هناك من كان يذوب فيه عشقاً وحباً, ولم يكن فيهم من يعيش حالة الهطل السياسى المبنى على النفس المخزية, كما أننا لانجد من رأى له الرؤى المُؤيدةْ من الله والرسل, أو من سَلمهُ الرسالة دون أن تَتنزّلُ عليه أو تُوحىَ إليه. وكأن قدرنا أن نحيا المشهد بتطوره العصرى المُزرى البغيض.
وفى النهاية, فإن المصير والمآل يسير بشكل واضح لما أخبرنا به رب العالمين فى قرآنه المجيد, بأن الهلاك والإهلاك سيكون مصير الطغاة والمتجبرين والمتكبرين, ومن سار على دربهم, واهتدى بضلالهم, وسيكون ذلك مصحوباً بخزى فى الدنيا قبل عذاب الآخرة. كما أن النصر والنجاة لن يكون إلا للأحرار الثوار المؤمنين الذين بذلوا الجهد كل الجهد, والذين ضحوا بكل غالٍ ونفيسٍ, والذين زُلزِلوا من شدة الموقف وصعوبته وعنفوانه حتى يقولوا متى نصر الله "ألا إن نصر الله قريب".
واعلم أنما النصر صبر ساعة, ولقد نفذ منها الكثير, ولم يتبقى منها إلا دقائق معدودة. فعض على الحق بالنواجذ, ولاتتركه فيتركك, ولاتيأس من نصر الله, "ويقولون متى هو, قل عسى أن يكون قريباً".

