نافذة مصر
  جلس إلى جدار عمود بالمسجد ، قبل أن ينطلق المؤذن بتراتيل ما قبل الفجر ، إنها ساعة السحر ، ساعة الاستغفار ، كانت أنوار المسجد خافتة ، والكون أرخى سدول سكونه وستره على كل شئ ، تذكر رابعة ، وأحاديث الغربة ، و أهازيج النفس شوقا لإسلام يعود ، وشريعة تقود ، لقد كان يسابق أشواق نفسه ، وهي تتلظى نحو الآخرة ، ما كان يصدق أن العودة ستكون سهلة ،إذ لابد من توطين النفس على دفع الثمن ، وهذه المرابطة في رابعة خطوة على الطريق ، لها ما بعدها ، هكذا كانت تحدثه نفسه ، لكنه كان يرنو إلى السماء أن يلطف الله بأمته ..

أفاق من سبحاته هنالك ، في رابعة ليخلو إلى ربه يغتنم ساعته باستغفار ودعاء ، النجوم تتلألأ و سحب تحجبها تارة ، ثم تمر كاشفة عن بديع خلقه سبحانه ، استجمع نفسه ، متأملا متدبرا ، حمدا الله الذي أمهله حتى هذا اليوم ، ليذكره ويتبتل إليه ، وقد رأى مصارع إخوانه وأهله ، الرجال والأطفال والنساء ، حتى الرضع لم يسلموا من القتل بدم بارد ، لايزال يذكر بركة الدماء التي كان يسبح فيها ، وجند فرعون لايزالون يسترخصونها ، فما شبعوا وما روت لهم ظمأ ..

تحسس أقدامه التي تورمت ، وهو في كل يوم يخرج في مسيرات ، صباح مساء ، تحت وهج الشمس ، أو ثلج الشتاء ، تتداعى أمام عينه استغاثات ، وصراخات ، وبكاء الضحايا .إنها تكاد تصك أذنه .. وتخلع قلبه من بين ضلوعه من إجرام جنود لهم في قلوبهم جمود ، وفي أعينهم وقاحة بلاحدود ..

لم يختلف المشهد هناك في رابعة عنه في مسيرات الحرية ، مطاردات بالرصاص الحي ، اعتقالات بعد تخريب ، ثم اغتيال بحرق أو تغييب ..

تهديد ووعيد ، وملاحقات وتشريد ، لايكاد يلتقط أنفاسه ، حتى يخرج إلى مسيرة وأخرى ، يرقب الموت في كل لحظة ، لعله ينال شرف الشهادة ، لكن في كل مرة يسقط غيره ، فيزدداد إصراره ، و يترسخ يقينه ، و يجد الزاد من اصطبار وثبات واقتدار على صمود ماكانت الحياة .

لم تعد النساء خطا أخمر ، ولاسقف للانتهاك ، وبكل وقاحة وصفاقة تتخذ القرارات إقصاء وتجريما وترهيبا ، و مصادرة أموال ..

جاشت نفسه بخشوع وهو يذكر ذلك كله ، واستكانت إلى خضوع ، فلن ترضى يوما بالخنوع ، ولن تنحني إلا لله بالركوع ،
اختنقت عبراته ، واحتبست آهاته ، كتم أناته وعينه تفيض بدموع ، لم يستطع ردها ، انفعلت نفسه وهو لايزال يتظرإلى السماء ،
إنه الله ينزل الآن إليها يدعو عباده ، أن يسألوه فيعطي ، وأن يستغفروه فيغفر ، وأن يدعوه فيستجيب لهم ..
إنه الله سبحانه هو الذي ينادي ، يبسط يده لعبيده ، أن يقبلوا عليه ،
لم يكد يتوقف عن الانفعال ، وهو يشعر بهوان الإسلام على أهله ، وهوان الإنسان على أخيه الإنسان ..لايزال منظر الدماء وهي تجري أمام عينه ، يوم كانت في رابعة ، رفع يديه إلى السماء ، وفي نفسه أنين ، وإلى عز الإسلام حنين ..
كأن الكلمات قد انطمست مفرداتها ، وكأن ماحفظ من أدعية قد سقطت من وعيه وذاكرته ..كأنما أصابه خرس ، اندفع يرجو ربه ، يستمطره الرحمات ، يستنزله اللعنات على من ظلم وبغى ،
يسأله النصر والتمكين ، وجد نفسه في عفوية وتلقائية ،
وصوته مختنق ، وقلبه محترق ..تصرخ أعماقه ، بنفثات دفاقة
" يارب طبطب علينا يارب "
وقد بثها كل همه وحزنه ، و كل يقينه أنه لا ملجأ ولا منجى إلا إلى الله
ارتفع صوت المؤذن بالتكبير ..
ردد وصوته يختلط بنشيج ..
سبحانه ..الله أكبر .
أكبر من كل شئ في كونه .
.مهما بغى وطغى ..
مهما علا وتجبر ..