جاءتني اليوم رسالة من أحد الأصدقاء يقول فيها أنه قد أٌصيب بشيء من الإحباط نتيجة لثلاث أخبار وقعت اليوم وهي خسارة انتخابات النقابة العامة للأطباء وظهور السيسي وتحديد موعد للاستفتاء على وثيقة الانقلابيين المسماة بالدستور ، وقد أثارت هذه الرسالة في نفسي رغبة في أن نراجع معا طبيعة المعركة التي نخوضها ، ونراجع أيضا تلك السنن والقوانين التي تحكم هذه المعركة ، حتى نكون على بينة من أمرنا ، وحتى نمضي في طريقنا لا يوقفنا خبر هنا أو حدث هناك .

إن هذه المعركة التي نخوضها الآن في مصر هي واحدة من معارك الإسلام الفاصلة ، وأقول معارك الإسلام الفاصلة لأن الإسلام في رحلته الطويلة خاض معارك كثيرة كان منها معارك عابرة ومعارك أخرى فاصلة ، والفارق بين النوعين أن المعارك العابرة هي مجرد مناوشات مع المعادين للإسلام والكارهين له لا يترتب عليها تغيرا كبيرا في موقع أيٌ من الفريقين ، أما المعارك الفاصلة فهي تلك المعارك التي يحدث بعدها بأمر الله تعالى إحقاق الحق وعلوه والتمكين له وإزهاق الباطل واندحاره وهبوطه لفترة من الزمان ، وإذا أردنا مثالا على تلك المعارك الفاصلة فستكون غزوة بدر التي علق عليها الله تعالى بقوله (ويريد الله أن يٌحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين) وكذلك غزوة الأحزاب التي علق عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن انتهت بقوله ( الآن نغزوهم ولا يغزونا ) وأيضا موقعة اليرموك ، وملحمة عين جالوت وملحمة حطين .

والمعارك الفاصلة لها قوانين تحكمها ليست من صنع البشر ولكنها من سنن الله التي لا تتبدل ولا تتخلف ، والأمر يقتضي أن نفهم هذه القوانين ونعي هذه السنن لأننا بالفعل في واحدة من معارك الإسلام الفاصلة ، التي اجتمع فيها اليهود والنصارى والملحدون والعلمانيون والمنافقون والشيوعيون والفاسدون للقضاء على التجربة الإسلامية الوليدة في مصر، وعدم الفهم لهذه السنن والتحرك وفقا لهذا الفهم سيجعلنا عرضة لما أصاب أخانا صاحب الرسالة ،

إن المعارك الفاصلة دائما يجتمع فيها أهل الباطل جميعا فيرمون أهل الحق عن قوس واحدة ، ويكونون أكثر عدة وعتادا ويصيبون من أهل الحق ما يجعلهم يظنون أنهم منتصرون ، ويتعرض أهل الحق في هذه المعارك لما يتحقق به مراد الله تعالى من الابتلاء والتمحيص وتمييز الصفوف وبيان الخبيث من الطيب ، واتخاذ الشهداء ورفع الدرجات لمن يريد الله أن يرفع درجاتهم ، ويشتد بهم البلاء حتى تزيغ منهم الأبصار وتبلغ القلوب الحناجر ، بل وتلعب ببعضهم الظنون ، وتتعالى صيحاتهم متى نصر الله

؟، ويستمر بهم البلاء حتى يتجردوا تماما من حولهم وقوتهم ويوقنوا يقينا كاملا أن نجاتهم ونصرهم إنما يكون من عند الله ومن عند الله فقط ، ثم تتداركهم رحمة ربهم الرءوف الرحيم بعد أن استيأسوا فيأتهم نصره ويحل بأسه بالقوم المجرمين ، فيكون نصرا يتعجب منه المؤمنون ، نصر من عند الله ومن حيث لا يحتسب المؤمنون ، فلم يكن رسول الله صلى الله علية وسلم قبل نزول الملائكة في بدر يعلم أنهم سينزلون ، ولم يكن يعلم أنه سينتصر في الأحزاب بالريح تقلب القدور و وتقتلع الخيام وتلزم المشركين الفرار ، كما لم يكن يعلم أنه سينتصر على بني النضير بالرعب يقذفه الله في قلوبهم .

أيها الأحباب ...أيها الثوار .......
نحن في معركة فاصلة من معارك الإسلام يديرها الله بعلمه وبحكمته وبقدرته ، وما نحن إلا ستار لقدرة الله وأداة لمشيئته ، عاهدناه أن يأخذ منا الأنفس والأموال والأولاد ، مقابل رضاه وجنته ، أما النصر فهو آت لا محالة ومن حيث لا نحتسب ، وإذا كان السؤال يلح على خواطرنا إلحاحا ، متى نصر الله ؟

فقد أجابنا الله سبحانه وتعالى ( ألا إن نصر الله قريب ) وما ترونه من محاولات الباطل للانتفاش لن تغني عنهم من الله شيئا .
فلتطمئن القلوب ولتهدأ النفوس وليؤد كل منا دوره ، فنهارنا جهاد وليلنا قيام ودعاء ، وقلوبنا موصولة بربها متوكلة عليه ، وهو سبحانه نعم المولى ونعم النصير .