كتب - أحمد شعبان:

تنظر اليوم المحكمة الدستورية العليا طعنا على قرار رئيس الجمهورية بعودة مجلس الشعب للعمل والذي أصدرت حكما سابقا بعدم دستورية بعض قوانين انتخابه، وقد سبق لذات المحكمة الفصل في دعوى مشابهه عام 1990 وقضت بعدم اختصاصها بالنظر فيها، فهل تناقض المحكمة أحكاما سابقة لها أم تتسق مع احكامها السابقة وتقضي بما سبق أن قضت به بعدم اختصاصها بنظر الدعوى.

ففي العام 1990 أصدرت المحكمة الدستورية حكماً ببطلان مجلس الشعب لعدم دستورية قانون الانتخابات في وقتها ودعا الرئيس الناخبين للاستفتاء على حل مجلس الشعب تنفيذا لهذا القرار.

واعتراضا على القرار اقام أحد المواطنين دعوى أمام الدستورية العليا برقم 4 لسنة 12 قضائية "منازعة تنفيذ" يطلب فيها وقف تنفيذ قرار رئيس الجمهورية الصادر بدعوة الناخبين إلى الاستفتاء على حل مجلس الشعب مع الحكم تبعاً لذلك باستمرار تنفيذ الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا بجلسة 19 مايو سنة 1990 بعدم دستورية المادة الخامسة مكرراً من قانون مجلس الشعب متضمناً قضاءه ببطلان عضوية أعضائه وتشكيله.

وقضت المحكمة الدستورية في وقتها:

بعدم اختصاصها بنظر الدعوى وألزمت المدعى المصروفات ومبلغ ثلاثين جنيهاً مقابل أتعاب المحاماة.

وجاء في حيثيات الحكم:
"وإذا كانت الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح تجد أساساً لها - كأصل عام - فى مبدأ الشرعية وسيادة القانون الذى أرساه الدستور، غير أنه يرد على هذا الأصل ما استقر عليه الفقه والقضاء من استبعاد "أعمال السيادة" من مجال الرقابة القضائية على أساس أن طبيعتها تأبى أن تكون محلاً لدعوى قضائية، وإذا كانت نظرية "أعمال السيادة" فى أصلها الفرنسى قضائية المنشأ إلا أنها فى مصر ذات أساس تشريعى يرجع على بداية التنظيم القضائى الحديث الذى أقرها بنصوص صريحة فى صلب التشريعات المتعاقبة المنظمة للسلطة القضائية ومجلس الدولة على السواء.

وحيث إن استبعاد "أعمال السيادة" من ولاية القضاء إنما يأتى تحقيقاً للأعتبارات السياسية التى تقتضى - بسبب طبيعة هذه الأعمال واتصالها بنظام الدولة السياسى اتصالاً وثيقاً أو بسيادتها فى الداخل والخارج - النأى بها عن نطاق الرقابة القضائية وذلك لدواعى الحفاظ على كيان لدولة فى الداخل والذود عن سيادتها فى الخارج ورعاية مصالحها العليا ، ومن ثم تبدو الحكمة من استبعاد هذه الأعمال من ولاية القضاء متمثلة فى اتصالها بسيادة الدولة فى الداخل والخارج وفى أنها لا تقبل بطبيعتها- على ما سلف بيانه - أن تكون محلاً للتقاضى لما يحيط بها من اعتبارات سياسية تبرر تخويل السلطة التنفيذية سلطة تقديرية أوسع مدى وأبعد نطاقاً تحقيقاً لصالح الوطن وسلامته دون تخويل القضاء سلطة التعقيب على ما تتخذه من إجراءات فى هذا الصدد، ولأن النظر فيها أو التعقيب عليها يقتضى توافر معلومات وعناصر وموازين تقدير مختلفة لا تتاح للقضاء وذلك فضلاً عن عدم ملاءمة طرح هذه المسائل علناً فى ساحات القضاء.

وحيث إن خروج أعمال السيادة عن ولاية القضاء يعد أحد صور التطبيق الأمثل لأعمال المفهوم الصحيح لمبدأ الفصل بين السلطات الذى يوجب إقامة توازن دقيق بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية بحيث تتولى كل من هذه السلطات صلاحياتها التى خلعها عليها الدستور وفى الحدود التى رسمها دون افتئات من إحداها على الأخرى.

وحيث إن إعمال هذا المفهوم الصحيح لمبدأ الفصل بين السلطات والاستجابة للحكمة والاعتبارات التى إقتضت استبعاد "أعمال السيادة" من ولاية القضاء بوجه عام قد وجدت صدى لها فى القضاء الدستورى فى الدول المتحضرة التى أخذت بنظام الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح إذ جرى هذا النوع من القضاء فى هذه الدول على استبعاد "الأعمال السياسية" - التى تعد بحق المجال الحيوى والطبيعى لنظرية "أعمال السيادة" - من اختصاصه ومن نطاق هذه الرقابة القضائية.

وحيث إن العبرة فى تحديد التكييف القانونى لأى عمل تجربة السلطة التنفيذية لمعرفة ما إذا كان من " أعمال السيادة" أم لا - وعلى ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة - هى بطبيعة العمل ذاته لا بالأوصاف التى قد تخلع عليه متى كانت طبيعته تتنافى مع هذا الوصف.

وحيث إن قرار رئيس الجمهورية رقم 404 لسنة 1990 بشأن دعوة الناخبين إلى الاستفتاء على حل مجلس الشعب إنما يتعلق باستطلاع رأى هيئة الناخبين التى تمثل القاعدة الشعبية فى أمر يتصل بأخص المسائل المتعلقة بعلاقة السلطة التنفيذية بالسلطة التشريعية ويتصل بتكوين هذه السلطة وهو يعد بهذه المثابة من أبرز الأمور التى تتعلق بممارسة سلطة الحكم ومن ثم يعتبر من "الأعمال السياسية" التى تتحمل السلطة التنفيذية كامل المسئولية السياسية بصدد إجرائها بغير معقب من القضاء.

أما عن الدفع بعدم دستورية قرار رئيس الجمهورية سالف الذكر فإن النظر فيه يفترض ابتداء خضوع هذا القرار - بطبيعته ومنظوراً إليه فى ذاته- لرقابة القضاء وهو ما يتأبى عليه وفقاً لما سلف بيانه وبذلك ينتفى اختصاص المحكمة بنظر الدعوى".

للاطلاع على الحكم كاملا ادخل على الرابط التالي:

www.hccourt.gov.eg/Rules/getRule.asp