24/09/2009

في الشهور الفائتة سجلت مصر سابقة في كونها من أوائل الدول- وربما الدولة الوحيدة- التي يموت فيها المواطنون بسبب التزاحم علي طابور الخبز، المفزع أن هذا السيناريو ربما يتكرر مجددا ولكن هذه المرة السبب هو.. مياه الشرب!

المرور السريع علي كل الأزمات التي كانت مياه الشرب عنوانا لها في الشهور الماضية في مصر، من أول انقطاع مياه الشرب عن قري كفر الشيخ والدقهلية مما دفع الأهالي إلي اعتراض السيارات في الطريق السريع وحرق الإطارات، وصولا إلي مياه شرب قرية البرادعة بالقليوبية التي تصيب من يشربها بالتيفود، يتضح أن المياه أصبحت طريقا للموت أيضا في مصر!

الشواهد من حولنا في العالم تشير إلي أن «ندرة المياه وتلوثها» سبباً للموت بكل تأكيد، في 13 مايو عام2000 قُتل شاب يدعي «اوزيبيو دي هارو اسبينوزا» يبلغ 23 عاما من قبل مزارع من تكساس يدعي «صموئيل بلاكوود جونيور» بسبب اقترابه من مزرعته للبحث عن بعض الماء لسد رمقه، في تونس تسببت المياه في قتل مزارع -بقرية تتسم بالندرة في المياه وتسير علي نظام لتوزيع المياه الجارية من نبع جبل مبارك- بسبب منعه للص وابنه يريد تحويل مجري مياه إلي حقله، أيضا تسببت المياه في انتحار مواطن هندي يدعي «ديفيداس لاهان» - البالغ من العمر 65 سنة - بعد أن يأس في استجابة المسئولين لتوصيل المياه إلي قريته المحرومة من المياه، فبعد أن كتب العديد من الرسائل ونفذ الإضراب عن الطعام تلو الإضراب وفي النهاية عندما استنفدت كل الحجج هدد بالانتحار بلا جدوي فلم يتحرك أحد ولم يتلقي أي مساعدة وبعد أن دب فيه اليأس صب علي جسمه كمية من الكيروسين.. فهل تتوقع- الشر بره وبعيد- أن يتكرر هذا السيناريو المرعب في مصر؟!


 
ربما، لكن بطريقة أخري وهل يمكن أن نتجاهل الأمراض التي تصيب آلاف المصريين سنويا بسبب تلوث المياه، حسب تقرير حديث صادر عن مركز «أولاد الأرض» فإن هناك 135 ألف مصري يصابون بالسرطان والفشل الكلوي والكبدي سنوياً بسبب تلوث مياه الشرب، حيث قدرت أعداد المصابين بالسرطان بـ 100 ألف مواطن والفشل الكلوي والكبد بـ35 ألفاً.

ورغم عدم توافر الإحصاءات الدقيقة عن الأمراض المائية في مصر فهي ليست بحاجة إلي الاحتفاظ بها سرا بعد ما كشف تقرير التنمية البشرية الذي أعده المركز الإنمائي للأمم المتحدة، بمشاركة وزارة التنمية المحلية لعام 2008النقاب عن إهدار الملايين من الجنيهات علي معالجة المصابين بالأمراض المترتبة علي تلوث مياه الشرب سنويا وأكد التقرير أن 25% من السكان يشربون مياها غير صالحة فيما رصد المكتب الإقليمي لمنظمة اليونيسيف عن وجود ما يقرب من 4500 قرية مصرية دون صرف صحي وهي نسبة تتجاوز نصف عدد القري المصرية البالغ عددها 7 آلاف قرية.

الدكتور حلمي الزنفلي الأستاذ بالمركز القومي لبحوث المياه يشير إلي أن استخدام الطرق التقليدية في معالجة محطات وشبكات المياه وإهمال صيانتها وتآكل خطوط توزيع مياه الشرب يعتبر أهم أسباب تلوث المياه وانتشار أمراض خطيرة «تقصف» عمر الإنسان كأمراض الفشل الكلوي والكبدي وأمراض الجهاز الهضمي، مشيرا إلي أن المستشفيات العامة يدخلها يومياً ما يقرب من 180 حالة من مختلف المحافظات نتيجة تسرب مياه الصرف الصحي التي تندمج مع مياه الشرب ناقلة إليها بعض المواد العضوية الضارة والكائنات الدقيقة.

علي جانب آخر فإن الفائز الوحيد من أزمات المياه في مصر- وفي العالم كله بكل تأكيد- هو شركات المياه المعبأة في زجاجات المعروفة تجاريا في مصر باسم المياه المعدنية، خاصة أن هذه الشركات هي أول من حول المياه بالفعل إلي سلعة متداولة ومعروضة للبيع والشراء، وذلك استنادا إلي حملات دعائية مكثفة لتأكيد أنها أكثر صحة وإفادة من المياه العادية بل وصل الأمر إلي تأكيد علي أن بعض المياه المعبأة تكافح الشيخوخة والسمنة وتساعد علي الحفاظ علي اللياقة والحيوية والجمال، ومنها بعض الشركات التي تستخدم لغة علمية مخادعة كتلك العبارة القائلة بأن «علي المرء أن يشرب ثمانية أكواب من المياه يوميا من أجل التمتع بصحة جيدة» وهي عبارة لا تستند لأي براهين علمية حسبما يؤكد البروفسير هاينز فالتين المختص في مجال المياه في دراسته التي نشرت في المجلة الأمريكية لعلم وظائف الأعضاء، وأصابت حمي استهلاك المياه المعدنية عددا كبيرا من البلاد التي تعاني تلوثاً في المياه ففي الهند أدي انتشار ماركات المياه المعبأة في زجاجات إلي اعتياد الناس علي وجوب دفع ثمن المياه التي يشربونها حتي إن هنودا في بعض المناطق ينفقون من المال يوميا علي المياه التي يشربونها أكثر مما ينفقونه علي الحليب.. لعلك تقول في سرك ضاحكا: «هنود بقي»، لكن ما أدراك أن مصيرك لن يختلف عن مصيرهم قريبا؟!

 ــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر : الدستور