كل العرب عموما ومصر خصوصا وقفوا مع إفريقيا في الخمسينات والستينات للتحرر من الاستعمار، وجل إفريقيا وقفت مع القضية الفلسطينية ومع العرب في صراعهم مع الصهيونية، بل وقطعت معظم الدول الإفريقية علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل في السبعينات بجهود مصرية وسعودية وجزائرية وليبية، دعما لموقف للعرب عموما ولمصر خصوصا كدولة إفريقية لها أراض تحت الاحتلال الإسرائيلي، ولم يعيدوها إلا بعد الانسحاب الإسرائيلي من سيناء وتبادل السفراء بين القاهرة وتل أبيب..
ولأن أكثر من نصف العرب هم جزء من الاتحاد الإفريقي وإفريقيا، ومصر هي من الرواد المؤسسين لمنظمة الوحدة الإفريقية التي مقرها إثيوبيا، ونهر النيل الذي هو شريان الحياة الذي يمد مصر بالمياه ينبع من دول إفريقية وأبرزها إثيوبيا، وهناك محاولات لتخفيض الحصص على حساب مصر والسودان، ومشروعات مائية ولإقامة السدود في بعض دول المنبع الإفريقية لا ندري مدى تأثيرها السلبي على دول المصب العربية، فإننا نتساءل عن طبيعة الدور الإسرائيلي فيما يجري في دول المنبع على حساب دول المصب؟!
وعما كان يسعى إليه وزير الخارجية الصهيوني الأكثر تطرفا أفيجدور ليبرمان، في أول زيارة لوزير خارجية صهيوني لإفريقيا منذ ربع قرن، خصوصا في دولتين هامتين من دول منابع النيل في ضوء ما وقعه من اتفاقيات مائية وزراعية مع كل من إثيوبيا وكينيا، عدا طبعا أوغندا ونيجيريا وغانا.
وهو الذي ترفض مصر استقباله في القاهرة بعد أن كان قد بلغ به جنون التطرف ذات يوم أن يهدد بضرب «السد العالي»، أضخم مشروعات مصر العملاقة على نهر النيل؟.. فهل كان يسعى ليشعل حربا للمياه من إثيوبيا وكينيا وأوغندا ضد مصر؟
نتساءل.. لأن إسرائيل كيان يقوم على العدوان وعلى اغتصاب الأراضي وعلى سرقة المياه، ومثل هذا الكيان لا يتوقع من ورائه إلا الشر، ولا يستبعد ما تقوم به إسرائيل ضد مصر فيما يتعلق بمياه النيل، برغم أن مصر هي أول دولة عربية سالمت إسرائيل، وإسرائيل حاولت من قبل سرقة مياه النيل من حصة مصر عبر سيناء من وراء ظهر دول حوض النيل، لكن رفض الشعب المصري ودول إفريقية من حوض النيل أفشل محاولات إسرائيل سرقة مياه النيل، وهي التي سرقت من قبل مياه نهر الأردن، وتسرق حاليا مياه بحيرة طبريا، ومياه نهر الليطاني!
وأيا كانت درجة صحة تلك الشكوك من وراء الجولة الإسرائيلية، وأيا كانت درجة جدوى الجهود الإسرائيلية العدائية ضد مصر والسودان، فإن الأمن العربي وضمان الأمن المائي العربي يوجب على مصر والعرب ألا يتركوا في إفريقيا فراغا سياسيا ولا اقتصاديا ولا ثقافيا، يسمح لإسرائيل بالتمدد فيه على حسابهم، وألا يبتعدوا عن إفريقيا عموما ودول حوض النيل خصوصا، بينما إسرائيل تسعى للاقتراب من دول حوض النيل خصوصا والعودة إلى إفريقيا عموما، بعد أن كانت يوما مغلقة في وجه إسرائيل.
ونحن اليوم نتوقع من إفريقيا معاملة إسرائيل كدولة احتلال تحتل أراضي عربية، وكم عانت إفريقيا من الاحتلال، وكافحت حتى تحررت بتأييد عربي، وخصوصا في ظل رئاسة الاتحاد الإفريقي العربية الليبية، التي دعت القادة الأفارقة في قمة طرابلس الإفريقية إلى طرد إسرائيل من القارة، والتنبه للمحاولات الصهيونية لزرع الفتن والنزاعات والتدخل بين الدول الإفريقية.

