عندما تدخل جمال مبارك أمين السياسات لتذكية الدكتور أحمد نظيف ليتولي منصب رئيس الوزراء وكان ذلك منذ 5 سنوات.. لم يكن يعرف أن الرجل يملك مخالب وأنياباً.. بل كان واثقاً من انه الشخص الذي يبحث عنه والملائم لطبيعة المرحلة.. ومنذ اليوم الأول في التعامل بين الاثنين اكتشف أمين السياسات أن الدكتور نظيف لم يكن الشخص الذي يبحث عنه.. ومع مرور السنوات تأكد له أن رئيس الوزراء الذي قام بتذكيته له رأي وصاحب قرار حتي ولو كان خطأ.. ونشبت الخلافات بين الاثنين خاصة في العامين الأولين.. حتي إن الاجتماعات التي حضرها أمين السياسات مع الدكتور نظيف وبعض الوزراء في القرية الذكية شهدت منافسات ساخنة ولم تكن من طرف واحد.
وبعد صولات وجولات لم تمتد طويلا صدرت التعليمات للاثنين رئيس الوزراء وأمين السياسات بالتنسيق معاً.. وتم تطبيق التعليمات كما صدرت.

وتحسنت العلاقات بين الحكومة وأمانة السياسات شيئاً فشيئاً.. ولكن أمين السياسات كان ينتهز الفرصة للإطاحة برئيس الحكومة.. وعندما كانت هناك نية لإجراء تغيير وزاري أوائل العام الماضي طرح أمين السياسات اسم المهندس رشيد محمد رشيد وزير التجارة وأحمد المغربي وزير الإسكان لرئاسة الحكومة خلفاً لنظيف.. وكان طرح رشيد سابقاً للمغربي.. ووقتها كان القرار لا هذا ولا ذاك.. فكان استمرار الدكتور نظيف حتي أكمل عامه الخامس منذ أيام.

ومنذ هذا الوقت أيقن الدكتور نظيف وجمال مبارك بضرورة «التعايش» في اطار تنسيق كامل بين الحكومة وأمانة السياسات.. وتوطدت العلاقات منذ بداية العام الحالي وزاد نفوذ جمال مبارك ودخل بقوة وسط ترحيب من رئيس الحكومة الذي اطمأن لأمين السياسات خاصة أن الآراء التي طرحها في معظم القضايا خاصة الاقتصادية كانت راجحة ولاقت قبولاً واسعاً من الكثيرين.

وزاد من قوة علاقة نظيف وجمال مبارك الثقة التي تولدت بين رئيس الحكومة ورجل جمال الأول أحمد عز الذي بذل جهوداً كبيرة خلال الدورات البرلمانية السابقة في حماية نظيف من هجوم النواب والتمكين له في البرلمان.. والذي زاد من قوة العلاقة بين نظيف وأحمد عز هو دفاع رئيس الحكومة عن عز في قضية الحديد سواء في السر أو العلن وكان ذلك واضحاً في حوار رئيس الوزراء مع برنامج البيت بيتك منذ 5 أشهر حيث دافع عنه بكل قوة ووضوح.

ونجح الاثنان نظيف وجمال في إقامة جسور الثقة مع مرور الوقت وهو ما دفع أمين السياسات إلي التواجد بقوة في مجلس الوزراء خاصة في القضايا الهامة المصيرية.

فمنذ أيام وتحديداً عقب الاجتماع قبل الأخير لمجلس الوزراء توجه جمال مبارك أمين السياسات من مكتبه بمقر الحزب بالكورنيش إلي مقر مجلس الوزراء في الثالثة عصراً بعد انتهاء اجتماع مجلس الوزراء وتوجه إلي مكتب نظيف وعقد الاثنان اجتماعاً سرياً ومغلقاً استمر ما يقرب من 3 ساعات، وتم فرض حالة من السرية والكتمان علي الاجتماع حتي بعد مرور أيام من انعقاده، ولم يدل نظيف او جمال بأي تصريحات سواء قبل أو بعد الاجتماع ولم يصدر أي بيان وهو ما فرض حالة من الغموض علي طبيعة الزيارة خاصة أنها تأتي وسط تحركات مكثفة من أمين السياسات لحل مجلس الشعب وهو ما تتصدي له بقوة قيادات الحرس القديم التي لا تري أي ضرورة للحل في الوقت الحالي.

مصادر رفيعة المستوي قريبة من أمين السياسات قالت إن الاجتماع الذي أحاطت به السرية الكاملة ناقش عدداً من الملفات المهمة والحساسة، وحددت ثلاثة منها الأول خاص بالوضع الاقتصادي في ظل الأزمة المالية، وتطرقت المناقشات في هذا الموضوع إلي خطة الحكومة في التعامل مع ما بعد الأزمة، أما الملف الثاني حسب مصادر أمانة السياسات فكان محاولة حسم الخلافات بين بعض الوزراء وتقييم أداء وزراء آخرين.

أما الملف الثالث فكان متابعة برنامج الرئيس الانتخابي خاصة في مجال مشروعات المياه والصرف الصحي والإسكان وهو الأمر الذي توليه أمانة السياسات أهمية خاصة لتأثيره الجماهيري الواسع. ولم تكن زيارة جمال مبارك الأخيرة هي الأكثر حضوراً لأمين السياسات في مجلس الوزراء حيث أشارت مصادر قريبة من جمال مبارك إلي دوره المحوري في حسم الخلافات حول مشروع الموازنة العامة للدولة الذي شهد مناقشات واسعة وساخنة سواء داخل المجموعة الاقتصادية أو وزارات الخدمات.. وقالت المصادر إن أمين السياسات توجه إلي مجلس الوزراء في مارس الماضي أثناء إعداد الموازنة وحضر اجتماعين بحضور نظيف للاستقرار علي الرأي النهائي في مسألة العلاوة قبل عرض الأمر علي الرئيس وانحاز جمال مبارك إلي رأي أحمد المغربي وزير الإسكان الذي رفض اقتطاع جزء من مخصصات مشروعات البنية التحتية ومشروعات الصرف بالمحافظات لزيادة العلاوة الاجتماعية إلي 15 أو 30%، كما شارك أمين السياسات في تحديد مخصصات الدعم بالموازنة الجديدة ومخصصات التعليم والصحة وغيرها من البنود المهمة في الموازنة.

وبرز دور جمال مبارك القوي في مجلس الوزراء أثناء مناقشة مشروع الثانوية العامة الجديد حيث أشارت أمانة السياسات إلي توجه وفد رفيع المستوي من الأمانة برئاسة جمال مبارك أمين السياسات إلي مقر مجلس الوزراء في فبراير الماضي لإنهاء الجدل حول مشروع الثانوية العامة الجديد.. وقالت المصادر إن حضور رجال السياسات كان قوياً خاصة من جانب حسام بدراوي رئيس لجنة التعليم في الحزب الوطني.. الذي أجبر الحكومة علي تغيير مواد مهمة في مشروع القانون.

وقالت المصادر إن المشروع تمت إحالته إلي الرئيس مبارك عقب الاجتماع الذي حضره أمين السياسات بمجلس الوزراء.. وعقد بعدها الرئيس اجتماعاً ثانياً تم بعده إحالة المشروع إلي البرلمانية.

وكان أبرز حضور لجمال مبارك في مجلس الوزراء هو تدخله لإنهاء أزمة المنطقة الحرة ببورسعيد.. قالت مصادر أمانة السياسات إن جمال مبارك طلب من أحمد عز دعوة نواب الوطني ببورسعيد لحضور اجتماع طارئ يتم ترتيبه مع الحكومة لإنهاء أزمة المنطقة الحرة التي كادت تتسبب في كارثة.. وبالفعل انعقد الاجتماع في يناير الماضي بمقر مجلس الوزراء وبحضور الدكتور نظيف وعدد كبير من وزراء المجموعة الاقتصادية وعائشة عبدالهادي وزيرة القوي العاملة.. وتمكن جمال مبارك من اقناع الحكومة برأي النواب الذي طالب بمنح مهلة جديدة ومد العمل بنظام المنطقة الحرة ببورسعيد 3 سنوات أخري.

وبعد 48 ساعة من الاجتماع الذي حضره أمين السياسات تم إحالة مشروع القانون إلي مجلس الشعب وتمت الموافقة عليه.

والسؤال الآن: هل سيستمر نفوذ جمال مبارك داخل مجلس الوزراء خلال الفترة القادمة.. أم أن نظيف سيكون له رأي آخر.?