كشفت تحركات الاستثمارات الخليجية في مصر مفارقة فاضحة بين مليارات أنفقتها الحكومة على العاصمة الإدارية الجديدة وبين الوجهة التي يختارها رأس المال الخليجي عندما يضع أمواله على الطاولة، إذ تتدفق الصفقات نحو الشواطئ والأراضي المطلة على النيل وأصول وسط القاهرة، بينما تبقى العاصمة بعيدة عن الصفقات السيادية الكبرى.

 

وتفضح هذه المفارقة أزمة مشروع جرى تقديمه لسنوات باعتباره مدينة المستقبل وقاطرة الاستثمار، بينما تشير الوقائع إلى أن المستثمر الكبير لا يطارد أبراج الصحراء بقدر ما يطارد الأصل المصري الذي لا يمكن تكراره، من شاطئ على المتوسط والبحر الأحمر إلى أرض نيلية ومبنى تاريخي في قلب القاهرة.

 

وتزامن ذلك مع فسخ شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية في 8 سبتمبر تعاقداتها مع ست شركات وسحب الأراضي المخصصة لها بدعوى عدم الجدية في التنفيذ، في مؤشر يزيد الأسئلة حول الطلب الفعلي داخل المشروع، خصوصا أن الشركة أكدت عدم وجود زيادات جديدة في أسعار الأراضي دون أن تظهر موجة تعاقدات تضاهي ما يحدث في مناطق أخرى.

 

 

الصحراء تُترك والأصول النادرة تُباع

 

تكشف خريطة الصفقات أن المستثمر الخليجي يعرف جيدا ما يريد شراءه من مصر، فهو لا يتجه إلى الأراضي التي تستطيع الحكومة إنتاج المزيد منها في الصحراء، وإنما يبحث عن قطعة لا يمكن تعويضها، وهو ما يفسر انتقال مليارات الدولارات إلى الشواطئ والجزر والأراضي النيلية ومقار الوزارات القديمة.

 

وأُعلن عن تحالف إماراتي مصري باستثمارات تبلغ 500 مليون دولار لإقامة ثلاثة أبراج سكنية وتجارية وفندق خمس نجوم في جزيرة الوراق، بينما تتجه شركات خليجية أخرى نحو مباني وسط القاهرة ومقار الوزارات السابقة والأراضي المطلة على النيل، في مشهد يكشف أين يرى المستثمر القيمة الحقيقية.

 

وفي الساحل الشمالي ظهرت صفقة إماراتية بنحو 135 مليار جنيه لتطوير 642 فدانا في منطقة جيفيرا، بالتوازي مع مفاوضات خليجية بشأن أراض بمدينة القصير على البحر الأحمر، فضلا عن مشروعات ضخمة أخرى على السواحل لا تجد العاصمة الإدارية ما يوازيها من اندفاع استثماري.

 

وتقف في الخلفية صفقات أكبر مثل رأس الحكمة التي بلغت قيمتها المعلنة 35 مليار دولار، وعلم الروم مع شركة الديار القطرية بقيمة 29.7 مليار دولار، إلى جانب مشروعات ساحلية تملكها شركات خليجية، لتتحول الخريطة بوضوح من الاستثمار في مدينة بنتها الحكومة إلى اقتناص أصول مصر التي لا تتكرر.

 

ويضع الدكتور علي شيخون الندرة في مقدمة أسباب هذا الاتجاه، فالشاطئ والموقع البحري والواجهة النيلية أصول محدودة لا يمكن للحكومة إنتاج نسخة أخرى منها، بينما تستطيع الدولة طرح مساحات جديدة في العاصمة متى أرادت، وهو ما يخفض القيمة الاستراتيجية للأرض الصحراوية مقارنة بالأصل النادر.

 

وهنا تظهر المفارقة القاسية، فبعد كل ما أنفق على طرق العاصمة وأبراجها ومرافقها وتكنولوجيتها، لا تزال قطعة أرض على النيل أو البحر أكثر جاذبية لرأس المال السيادي من آلاف الأفدنة التي جرى تجهيزها في الصحراء، لأن الاستثمار لا تحكمه الدعاية الحكومية وإنما الندرة والعائد والقدرة على التخارج.

 

 

مشروع ضخم بلا طلب يوازي حجمه

 

ولا تتوقف المشكلة عند طبيعة الأرض، إذ يشير التحليل الوارد في المادة إلى ضعف الطلب الفعلي داخل العاصمة مقارنة بحجم المشروع، فالبنية التحتية الحديثة وحدها لا تصنع سوقا إذا لم يوجد عدد كاف من السكان والمشترين القادرين على خلق طلب مستدام على الوحدات والمشروعات.

 

ويعتمد جانب كبير من الطلب في العاصمة على الموظف الحكومي والمشتري المحلي الذي يدفع بالجنيه وعلى فترات تقسيط طويلة، بينما تستطيع المشروعات الساحلية والسياحية تحقيق جانب من عوائدها بالدولار والعملات الأجنبية من السياحة والمصريين بالخارج والمشترين القادمين من دول الخليج.

 

ومع تراجع قيمة الجنيه خلال موجات خفض العملة، تصبح المشروعات التي تحصل إيراداتها بالجنيه أقل جاذبية للمستثمر الذي يضع حساباته بالدولار، وهو ما يمنح السواحل ميزة إضافية على مشروع ضخم يعتمد في جانب أساسي من سوقه على القوة الشرائية المحلية.

 

كما يشير شيخون إلى أن رأس المال الخليجي السيادي لم يضع العاصمة أصلا ضمن أولوياته الكبرى، مستندا إلى تجربتين بارزتين اقترب فيهما الاستثمار الخليجي من المشروع ثم تراجع، الأولى اتفاق محمد العبار في 2015 الذي ألغي بعد أشهر، والثانية مفاوضات إعمار التي توقفت في 2018 بسبب خلاف على سعر الأرض.

 

والأكثر كشفا أن التحول في السياسة الخليجية لم يعد يسمح بتدفق الأموال تحت عنوان الدعم السياسي المجرد، فبحسب التحليل تغير المشهد منذ إعلان وزير المالية السعودي في يناير 2023 انتهاء زمن المنح والودائع المفتوحة، لتصبح الأموال أكثر تشددا في البحث عن أصل حقيقي وعائد يمكن قياسه.

 

وهذا التحول يضع سياسات الحكومة أمام اختبار لا تنفع معه الاحتفالات بافتتاح الأبراج والطرق، لأن المستثمر الخليجي الذي كان يمكن أن يدخل بأموال لأسباب سياسية أصبح يسأل عن سعر الأصل والعائد بالعملة الصعبة وإمكانية البيع لاحقا، وهنا لا تبدو العاصمة هي الإجابة الأكثر إغراء.

 

 

الدولة تبيع القاهرة لتمول الصحراء

 

وتصبح الصورة أكثر قسوة عند ربط انتقال الوزارات إلى العاصمة بما جرى لأصول الدولة في القاهرة القديمة، إذ يشير شيخون إلى رفع صفة النفع العام في يناير 2024 عن أراض ومبان تخص 13 وزارة، ثم نقلها إلى صندوق مصر السيادي للتصرف فيها.

 

وبذلك لا يقف الأمر عند إنفاق موارد ضخمة على إقامة مركز حكومي جديد في الصحراء، وإنما يمتد إلى فتح الباب لإعادة توظيف الأصول التي أخلاها الانتقال، بما يجعل القاهرة القديمة وأراضيها ومبانيها جزءا من معادلة تمويل المشروع الجديد بصورة غير مباشرة.

 

وفي الوقت نفسه، ترتبط حاجة الحكومة المتزايدة للعملة الأجنبية بالتوسع في طرح الأصول النادرة، حيث يقدم شيخون رأس الحكمة وعلم الروم نموذجا لتحويل أراض ذات قيمة استثنائية إلى تدفقات دولارية عاجلة، وهو ما يجعل بيع الأصول وسيلة لتخفيف أزمة التمويل بدلا من معالجة جذورها الإنتاجية.

 

وهنا يتحول السؤال من سبب عدم ذهاب الخليج إلى العاصمة إلى سؤال أشد خطورة، وهو لماذا أصبحت الدولة مضطرة إلى إغراء المستثمر بأفضل ما لديها من أرض وشواطئ ومواقع نادرة حتى تحصل على السيولة التي تحتاجها، بدلا من بناء اقتصاد ينتج الدولار من الصناعة والتصدير والزراعة والسياحة.

 

ولا يخفي التحليل بعدا آخر يتعلق بتعارض الأدوار داخل منظومة العاصمة، حيث تجمع الجهة المالكة بين ملكية الأرض والتنظيم والتطوير والمنافسة مع المطورين، فضلا عن سلطتها في فسخ العقود، بينما تطرح أصول السواحل والنيل بصيغ أكثر مرونة تشمل البيع والشراكة والإيجار وحق الانتفاع.

 

ويضاف إلى ذلك بعد التنافس الخليجي على المواقع الاستراتيجية، فرأس الحكمة تمثل حضورا إماراتيا على المتوسط وعلم الروم حضورا قطريا، بينما ترتبط مناطق أخرى بتحركات سعودية وقطرية، بما يجعل الاستثمار في هذه المواقع أبعد كثيرا من مجرد شراء وحدات عقارية داخل مدينة جديدة.

 

 

بيع الأصل لا يحل أزمة الاقتصاد

 

ويطرح شيخون بدائل واضحة أمام التوسع في البيع، تبدأ بإعادة ترتيب أولويات المشروعات الكبرى وربط مراحل تنفيذها بالطلب الحقيقي والقدرة على التمويل، إلى جانب توجيه الاقتراض الخارجي إلى مشروعات تستطيع توليد العملة الأجنبية بدلا من تمويل أصول تحقق إيراداتها بالجنيه.

 

كما يدعو إلى بناء قاعدة إنتاجية تدر الدولار من الصناعة والزراعة والتصدير، وتقليص حضور الجهات السيادية في النشاط الاقتصادي، وفرض قواعد المنافسة والضرائب والإفصاح نفسها على الشركات المملوكة للدولة والقطاع الخاص، حتى لا يبقى بيع الأرض هو الطريق الأسرع للحصول على العملة الصعبة.

 

وعند الاضطرار إلى التصرف في أصل عام، يطرح التحليل حق الانتفاع والإيجار طويل الأجل بديلا عن البيع النهائي، مع الاحتفاظ بحصة ملكية للدولة وإجراء تقييم مستقل ومزادات تنافسية، بدلا من إتمام الصفقات تحت ضغط الحاجة إلى الدولار وفي غرف التفاوض المباشر.

 

وتشمل المقترحات كذلك نشر العقود والتقييمات وإخضاع التصرف في المواقع الاستراتيجية لرقابة برلمانية، وتوجيه حصيلة بيع الأصول إلى أصول منتجة أو إلى خفض أصل الدين، بدلا من السماح بتبديد حصيلة ثروة غير قابلة للتكرار في تمويل نفقات تنتهي بينما يبقى الأصل مفقودا إلى الأبد.

 

وتبقى الخلاصة الأكثر قسوة أن الحكومة قد تحصل من بيع أرض نادرة على مليارات تسد فجوة تمويلية مؤقتة، لكنها لا تستطيع بيع الشاطئ نفسه مرتين، ولا إعادة إنتاج موقع على النيل، ولا استعادة أصل استراتيجي بعد انتقال ملكيته إذا عادت أزمة الدولار بعد سنوات قليلة.

 

وقد ساعدت صفقة مثل رأس الحكمة، وفق التحليل الوارد في المادة، على تهدئة أزمة سعر الصرف في لحظة شديدة الاضطراب، لكن النجاح في شراء الوقت لا يعني علاج المرض، لأن اقتصادا يحتاج بصورة متكررة إلى بيع أصل جديد للحصول على الدولار يستهلك ثروته بدلا من بناء مصدر مستدام لها.

 

وهكذا تصبح العاصمة الإدارية شاهدا على مفارقة يصعب إخفاؤها بالدعاية، دولة أنفقت مليارات لتصنع مدينة تقول إنها واجهة المستقبل، ثم وجدت رأس المال الخليجي يمر بجوارها متجها إلى ما هو أقدم وأندر وأغلى، شواطئ مصر ونيلها وقلب القاهرة وأصولها الاستراتيجية.

 

أما الثمن الحقيقي فلا يظهر في قيمة الصفقة يوم توقيعها، وإنما فيما تخسره الأجيال المقبلة عندما تتحول أصول لا يمكن إنتاج بديل لها إلى سيولة تكفي عاما أو عامين، ثم تعود فجوة التمويل من جديد بينما يكون جزء آخر من ثروة الدولة قد خرج بالفعل من يدها.