كشفت دراسة حديثة عن نتائج لافتة بشأن تأثير التمارين الرياضية قصيرة المدة، مشيرة إلى أن ممارسة تمارين عالية الكثافة لمدة 3 دقائق فقط قد تكون كافية لإحداث تغيرات جزيئية في الجسم ترتبط بصحة القلب وحرق الدهون والوقاية من بعض الأمراض.

 

وأجرى الدراسة باحثون في جامعة روكفلر بمدينة نيويورك، وركزوا خلالها على كيفية استجابة الجسم لفترات قصيرة من النشاط البدني الشديد، مقارنة بممارسة الرياضة بوتيرة معتدلة لفترة زمنية أطول.

 

وأظهرت النتائج أن التمارين عالية الشدة، رغم قصر مدتها، يمكن أن تحفز استجابات جزيئية واسعة داخل الجسم، وهو ما يشير إلى أن مدة التمرين ليست العامل الوحيد الذي يحدد تأثيره على العمليات الحيوية.

 

 

تقسيم المشاركين إلى مجموعتين

 

شارك في الدراسة 19 شخصا، وجرى تقسيمهم إلى مجموعتين بهدف مقارنة الاستجابات الناتجة عن التمارين المكثفة وتلك التي تنتج عن النشاط المعتدل.

 

وضمت المجموعة الأولى 10 مشاركين أدوا 6 جولات من تمارين السرعة القصوى باستخدام دراجة ثابتة، واستمرت كل جولة 30 ثانية، مع الحصول على 4 دقائق من الراحة والاستشفاء بين الجولات.

 

أما المجموعة الثانية، فمارس أفرادها ركوب الدراجة بوتيرة معتدلة لمدة 90 دقيقة، قبل أن يجري الباحثون تحليلا لعينات الدم المأخوذة من المشاركين بهدف رصد التغيرات التي طرأت على البروتينات.

 

 

تغيرات واسعة في بروتينات الدم

 

أظهر تحليل عينات الدم أن تمارين السرعة القصوى تسببت في تغيرات لدى نحو 25% من البروتينات التي فحصها الباحثون، والبالغ عددها 2884 بروتينا.

 

وتشمل هذه البروتينات ما يعرف باسم "الإكسركينات"، وهي مواد ينتجها الجسم استجابة لممارسة الرياضة، وتساعد في نقل الإشارات بين العضلات والأعضاء المختلفة.

 

وترتبط هذه المواد بعدد من العمليات المهمة، من بينها نمو الأوعية الدموية، وإصلاح الأنسجة، وتنظيم عملية الأيض، إلى جانب المساهمة في آليات حرق الدهون واستخدام الطاقة.

 

في المقابل، كانت الاستجابة الناتجة عن ركوب الدراجة بوتيرة معتدلة أقل بكثير في البداية، إذ لم يطرأ تغير مباشر سوى على أقل من 0.25% من البروتينات بعد انتهاء التمرين الذي استمر 90 دقيقة.

 

لكن الباحثين رصدوا تغيرات إضافية في بعض البروتينات بعد مرور نحو 3 ساعات على انتهاء النشاط المعتدل.

 

 

تأثير على الخلايا الدهنية

 

لم تتوقف النتائج عند التغيرات التي ظهرت في الدم، إذ وجد الباحثون أن الدم المأخوذ بعد تمارين السرعة القصوى أدى إلى حدوث تغيرات ملحوظة في الخلايا الدهنية.

 

وشملت هذه التغيرات الطريقة التي تتعامل بها الخلايا مع الطاقة واستجابتها للهرمونات، وهو ما قد يساعد في تفسير بعض التأثيرات المرتبطة بعملية الأيض الناتجة عن ممارسة التمارين عالية الشدة.

 

ويرى الباحثون أن هذه النتائج قد تقدم تفسيرا لبعض الآثار الصحية التي ترتبط بالنشاط البدني المكثف، حتى عندما تكون مدة ممارسة التمرين قصيرة للغاية.

 

 

أنشطة أخرى قد تحقق استجابة مماثلة

 

ورغم أن التجربة اعتمدت على ركوب الدراجة، يرى الباحثون أن أنشطة بدنية أخرى تعتمد على الجهد المكثف لفترات قصيرة قد تؤدي إلى استجابات مشابهة.

 

ومن بين هذه الأنشطة الجري السريع، وصعود السلالم، وبعض تمارين وزن الجسم، إلا أن الدراسة الحالية لم تختبر هذه الأنشطة بصورة مباشرة، ولذلك لا يمكن الجزم بأن نتائجها ستكون مطابقة لما حدث خلال تجربة الدراجة.

 

وقال بول كوهين، الباحث الرئيسي في الدراسة ورئيس مختبر عمليات الأيض الجزيئي بجامعة روكفلر، إن أبرز ما توصلت إليه الدراسة هو قدرة دقائق قليلة من التمارين المكثفة على تحفيز استجابة جزيئية كبيرة داخل الجسم.

 

 

ارتباط النتائج بمخاطر الأمراض

 

ولمعرفة مدى أهمية التغيرات التي رصدتها الدراسة، قارن الباحثون البروتينات التي تغيرت بعد ممارسة الرياضة ببيانات صحية لأكثر من 53 ألف شخص في المملكة المتحدة.

 

وأظهرت المقارنة أن عددا من البروتينات التي تأثرت بالتمارين ارتبط بانخفاض مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية والأمراض الأيضية، إلى جانب وجود مؤشرات مرتبطة بتباطؤ الشيخوخة البيولوجية.

 

وتشير هذه النتائج إلى احتمال وجود علاقة بين الاستجابة الجزيئية التي يطلقها النشاط البدني وبعض الفوائد الصحية التي تظهر لدى الأشخاص الأكثر نشاطا، لكنها لا تثبت في الوقت نفسه وجود علاقة سببية مباشرة.

 

 

الدراسة لا تعني الاستغناء عن الرياضة

 

ورغم النتائج اللافتة، يحذر الباحثون من تفسيرها على أن 3 دقائق فقط من التمارين يمكن أن توفر جميع الفوائد الصحية المطلوبة من النشاط البدني.

 

فالدراسة شملت عددا محدودا من المشاركين، كما ركزت بشكل أساسي على التغيرات الجزيئية التي تحدث على المدى القصير، ولم تثبت أن هذه التغيرات تؤدي بصورة مباشرة إلى فقدان الوزن أو الوقاية من السكري وأمراض القلب.

 

ويشير الباحثون إلى أن النتائج تضيف دليلا جديدا على أهمية شدة التمرين في تحديد استجابة الجسم، إلى جانب مدة النشاط البدني.

 

كما تفتح الدراسة المجال أمام إجراء أبحاث أكبر لمعرفة ما إذا كانت فترات قصيرة من التمارين عالية الكثافة يمكن أن تتحول بالفعل إلى فوائد صحية طويلة المدى، وما إذا كان من الممكن الاستفادة منها كخيار عملي للأشخاص الذين لا يملكون وقتا كافيا لممارسة الرياضة لفترات طويلة.

 

المصدر: ديلي ميل