أعاد اقتراح وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان بتشكيل كيان موحد للمواقع الإلكترونية سؤالًا مؤجلًا منذ سنوات: من يمثل الصحافة الرقمية فعلًا، المؤسسات المالكة للمواقع أم الصحفيون الذين يصنعون محتواها يوميًا ويظلون خارج مظلة نقابية كاملة؟
ويضع الجدل الأخير مفارقة يصعب تجاوزها، فالصحافة الإلكترونية أصبحت في قلب المشهد المهني، بينما ما زالت قواعد التنظيم النقابي تتحرك بإيقاع قانون صدر عام 1970، قبل ظهور الإنترنت والصحافة الرقمية بعقود طويلة.
كيان للمؤسسات لا يحمي الصحفيين
وفي جوهر المقترح، تحدث رشوان عن كيان مؤسسي يضم المواقع باعتبارها مؤسسات، ويتولى بحث مشكلاتها والتحدث باسمها، مع تأكيد لاحق أن الفكرة لا تستهدف إنشاء نقابة موازية لنقابة الصحفيين.
لكن هذا التحديد نفسه يترك فجوة واضحة بين احتياجات المؤسسة وحقوق العامل، لأن الموقع قد يحتاج ترخيصًا وتمويلًا وعلاقة مستقرة مع الجهات المنظمة، بينما يحتاج الصحفي عقدًا وأجرًا وتأمينًا وحماية عند النزاع أو الفصل.
ومن هنا، تبدو أزمة الصحفي الإلكتروني أوسع من أن يعالجها تجمع لأصحاب المواقع، لأن الطرف الذي يفاوض على الترخيص أو الإعلانات ليس هو الطرف الذي يواجه هشاشة العقود أو غياب التمثيل النقابي.
وفي هذا السياق، دعا خالد البلشي، نقيب الصحفيين، إلى مد الحماية النقابية لجميع ممارسي المهنة الحقيقيين في الصحف والمواقع الإلكترونية، معتبرًا أن استمرار قطاعات واسعة خارج هذه المظلة أزمة مهنية تستوجب معالجة مؤسسية.
كما أن طرح البلشي يضع القضية في موضعها المباشر: الصحفي لا تتغير طبيعة مهنته لأن المادة المنشورة انتقلت من الورق إلى الشاشة، بينما استمرار التمييز التنظيمي يترك عاملين يؤدون العمل نفسه تحت شروط حماية مختلفة.
وفوق ذلك، فإن وجود كيان للمؤسسات قد يمنح أصحاب المواقع صوتًا تفاوضيًا أقوى، لكنه لا يمنح العامل تلقائيًا عضوية نقابية، ولا يضمن عقدًا أو حدًا أدنى للأجور أو حماية عملية من الفصل.
لذلك يصبح السؤال الأهم ليس ما إذا كانت المواقع تحتاج جمعية أو رابطة تمثل مصالحها، بل لماذا بقي ملف الصحفيين العاملين داخل هذه المواقع مؤجلًا رغم تحول الصحافة الرقمية إلى مساحة رئيسية لإنتاج الأخبار وتوزيعها.
وبالتالي، فإن الخلط بين تمثيل المؤسسات وتمثيل الصحفيين يسمح بترحيل أصل المشكلة، لأن النجاح في توحيد خطاب المواقع أمام الجهات الرسمية لن ينهي وحده فجوة القيد والحماية القانونية للعاملين داخلها.
الترخيص والحجب يثقلان المؤسسات الرقمية
وفي المستوى المؤسسي، يضع قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 المواقع الإلكترونية داخل الإطار القانوني، ويشترط الترخيص، ويلزم المجلس المختص بالبت في الطلب خلال مدة لا تتجاوز تسعين يومًا بعد استيفائه.
لكن القانون نفسه ينص على حظر فرض الرقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو وقفها وإغلاقها، مع استثناءات محددة، كما يتيح الطعن أمام القضاء في قرارات مرتبطة بالحجب أو المنع.
ومع ذلك، وثقت تقارير حقوقية خلال 2026 حالات ظلت فيها طلبات تراخيص مواقع صحفية دون حسم لفترات ممتدة، بالتوازي مع شكاوى من الحجب، وهو ما أبقى مؤسسات رقمية في أوضاع قانونية ومالية غير مستقرة.
وفي المقابل، أعلن المجلس المختص خلال 2025 منح تراخيص جديدة لمواقع وتطبيقات إلكترونية بعد مراجعة ملفاتها، بما يؤكد أن مسار الترخيص يعمل في حالات، لكنه لا يلغي الجدل حول الطلبات الممتدة أو المحجوبة.
ويرى أيمن عبد المجيد، عضو مجلس نقابة الصحفيين، أن أصل الأزمة يتجاوز الإجراءات اليومية إلى تشريع نقابي لم يعد مواكبًا للتحول الرقمي، لأن المهنة واحدة بينما الوسيط الذي يحمل المادة الصحفية هو المتغير.
كما اقترح عبد المجيد وضع ضوابط للمؤسسات الرقمية الراغبة في إدخال صحفييها إلى النقابة، تشمل كيانًا مؤسسيًا حقيقيًا وترخيصًا ومقرًا وعقود عمل وانتظامًا ماليًا يضمن استقرار المؤسسة وحقوق العاملين.
ومن ثم، فإن علاج صعوبات المواقع لا يحتاج فقط إلى كيان تفاوضي جديد، بل إلى قواعد ترخيص أكثر قابلية للتوقع، وآليات واضحة للحجب والطعن، وتطبيق زمني منضبط للمدد التي حددها القانون.
وفي الوقت نفسه، تبقى مشكلة التمويل أكثر تعقيدًا من أن يحلها مجرد تجمع إداري، لأن أي دعم حكومي أو تسهيلات مالية سيطرح بدوره أسئلة تتعلق بالاستقلال التحريري وشروط الحصول على التمويل.
ولهذا، فإن أي كيان مؤسسي قد ينجح في تنسيق المصالح التجارية والتنظيمية للمواقع، لكنه سيظل محدود الأثر إذا ظلت بيئة الترخيص والحجب والتمويل غير مستقرة، وإذا بقي العاملون أنفسهم خارج حماية نقابية متكافئة.
قيد الصحفيين يحتاج تشريعا جديدا
وفي قلب الأزمة، يقف قانون نقابة الصحفيين رقم 76 لسنة 1970 بوصفه الإطار الأساسي للقيد، وهو قانون وُضع في زمن كانت فيه الصحيفة المطبوعة هي الشكل المركزي للعمل الصحفي المنظم.
لكن قانون 180 لسنة 2018 عرّف الصحفي بأنه عضو مقيد في جداول النقابة، ثم منح الصحفيين حقوقًا تتعلق بالمعلومات والعقود والفصل، وهو ما يجعل مسألة القيد بوابة مؤثرة للتمتع بالحماية المهنية المنصوص عليها.
ومن جهة أخرى، ينص القانون ذاته على أن علاقة العاملين بالمؤسسات الصحفية تقوم على عقد عمل يحدد الأجر والمزايا، وأن النقابة المعنية تصدق على العقود، بما يبرز أثر العضوية والتمثيل في النزاعات المهنية.
ويرى محمد سعد عبد الحفيظ، وكيل نقابة الصحفيين لشؤون التدريب وتطوير المهنة، أن التفريق بين صحفي الورق وصحفي الموقع لم يعد يعكس الواقع المهني، لأن كليهما ينتج المحتوى نفسه بأدوات متعددة.
كما اعتبر عبد الحفيظ أن الجدل حول الكيان المقترح أعاد فتح الملف الأهم، وهو كيفية مد المظلة النقابية إلى صحفيين يعملون فعلًا داخل مواقع مرخصة ومستقرة، من خلال صيغة قانونية ومهنية تقرها الجماعة الصحفية.
وبناء على ذلك، لا تبدو الأزمة نقصًا في الكيانات بقدر ما تبدو فجوة بين تطور سوق العمل والإطار التشريعي، إذ تغيرت أدوات الإنتاج والتوزيع بينما بقيت بوابة العضوية أضيق من الواقع المهني المتسع.
وفي مسار مواز، بدأت نقابة الصحفيين خلال 2026 مناقشات حول لوائح القيد وجدول المنتسبين وضوابط انضمام العاملين بالمواقع الإلكترونية، ما يعني أن الملف تحرك، لكنه لم يصل بعد إلى تسوية نهائية شاملة.
ومع استمرار هذا الوضع، يظل الصحفي الإلكتروني معرضًا لفجوة بين الاعتراف بالمؤسسة التي يعمل داخلها وبين الاعتراف النقابي الكامل به كفرد، وهي مفارقة تضعف قدرة التنظيم المهني على مواكبة سوق العمل الحقيقي.
وأخيرًا، فإن الاختبار الفعلي لأي تحرك جديد لن يكون في عدد الاجتماعات أو أسماء الكيانات، بل في قدرته على إنهاء الفاصل بين الصحافة الرقمية كواقع قائم والصحفي الرقمي كعامل ينتظر حماية تساوي طبيعة عمله.

