يواجه 850 عاملا وعاملة في شركة الدلتا للغزل والنسيج بطنطا مصيرا غامضا، بعد قرار نقلهم إجباريا إلى مصنع زفتى، تمهيدا لإخلاء مجمعهم الصناعي وطرحه للاستثمار.

 

وتزامن قرار النقل مع بدء تفكيك الماكينات والإعلان عن مزايدة لهدم مباني الشركة في 5 أكتوبر 2026، لتتحول الوعود بالتفاوض إلى سباق مع الوقت قبل تصفية المصنع.

 

وفي الوقت الذي احتج فيه العمال يومين دفاعا عن وظائفهم، بدت الإدارة مصممة على تنفيذ خطوات الهدم مسبقا، بما يطرح تساؤلات حادة عن جدوى التفاوض إذا كانت الماكينات تغادر بالفعل.

 

وبينما يطالب العمال بضمان الرواتب والمستحقات حتى المعاش، لا تقتصر الأزمة على انتقال مكاني، بل تمتد إلى اقتلاع مئات الأسر من مصدر عيش ارتبط بمدينة طنطا لعقود.

 

لذلك تقف الواقعة أمام زاويتين لا يمكن فصلهما، الأولى نقل عمال إلى مصنع آخر دون ضمانات معلنة، والثانية هدم منشأة منتجة لتفريغ 44 فدانا أمام الاستثمار العقاري.

 

 

نقل قسري يهدد أرزاق 850 عاملا

 

ومن جانبه، يرى كمال أبو عيطة، القيادي العمالي والوزير الأسبق للقوى العاملة، أن نقل العمال لا يكون مشروعا إلا بضمان مكتوب لاستمرار الأجر والتأمينات ومدة الخدمة وكامل الحقوق.

 

لكن القرار الحالي يضع العامل أمام خيار شديد القسوة، إما القبول بالسفر اليومي إلى زفتى وتحمل كلفته وظروفه، أو مواجهة مستقبل ضبابي بعد تفريغ مصنعه الأصلي.

 

ثم إن النقل لا يحمل حتى الآن تفاصيل كافية عن طبيعة الوظائف الجديدة، ولا الطاقة التي سيعمل بها مصنع زفتى، ولا مصير العمال الذين لا تسمح ظروفهم الصحية أو الأسرية بالانتقال.

 

كذلك لا يبرر الحديث عن إعادة توزيع العمال تجاهل المسافة بين طنطا وزفتى، فانتقال العامل ليس حركة ورقية داخل دفاتر الإدارة، بل عبء يومي على الوقت والدخل والاستقرار العائلي.

 

وعندما تتخذ قرارات النقل الجماعي من دون حوار حقيقي، يتحول العامل إلى رقم زائد في خطة إدارية، بدلا من اعتباره شريكا صنع بأيديه خبرة الصناعة وأبقى المصنع منتجا.

 

وفي المقابل، يطالب المحتجون بتطبيق الضمانات الممنوحة لعمال شركات غزل ونسيج أخرى، عبر صرف الراتب والمستحقات المالية كاملة حتى الخروج إلى المعاش، لا الاكتفاء بوعود عامة.

 

كما أن بدء تفكيك المعدات قبل الوصول لاتفاق يضاعف الضغط على العمال، إذ يجردهم من ورقة استمرار الإنتاج ويجعل رفض النقل أصعب مع كل ماكينة تخرج من المصنع.

 

ولذلك لا تبدو جلسة التفاوض المقررة الإثنين 21 سبتمبر كافية وحدها، ما لم تنته بمحضر معلن وملزم يحدد الحقوق ويمنع أي تخفيض للأجور أو مساس بالتأمينات.

 

 

تفكيك المكن قبل التفاوض

 

وفي هذا السياق، يقول إلهامي الميرغني، الباحث في قضايا العمل والعمال، إن هدم مصنع قبل تأمين العاملين فيه يعكس إدارة بعقلية بيع الأصول لا بعقلية حماية الصناعة.

 

غير أن الأمر لا يخص جدرانا قديمة أو مخازن مهجورة، بل يخص 3 مصانع غزل شكلت مركزا إنتاجيا في طنطا، وربطت تشغيل القطن المصري بسوق المنسوجات.

 

وفوق ذلك، بدأت الإدارة فك الماكينات فعليا عقب الإعلان عن مزايدة هدم المباني والأنقاض، وهو ما يحول الخطة من مجرد تصور إلى مسار تنفيذي يصعب التراجع عنه.

 

وبينما تتحدث الإدارة عن نقل التشغيل، لا تظهر خطة واضحة لحجم الإنتاج الذي سينتقل إلى زفتى، ولا للماكينات التي ستبقى أو ستخرج، ولا لما سيفقده المصنع من قدرات.

 

ثم إن الطاقة الإنتاجية التي اقتربت من 35 طنا يوميا لم تكن رقما عابرا، بل قدرة مرتبطة بخبرات عمال وسلاسل توريد وأسواق، لا يمكن نقلها أو تعويضها بقرار مفاجئ.

 

وإذ يجري تفكيك الماكينات قبل حسم حقوق العاملين، تبدو الأولوية منصبة على إخلاء الأرض أسرع من الحفاظ على الإنتاج، رغم أن تطوير الصناعة يبدأ بتحديثها لا بهدمها.

 

وفي ظل هذا المسار، يخشى العمال أن يصبح مصنع زفتى مجرد محطة انتقالية مؤقتة، بينما يختفي مجمع طنطا نهائيا وتختفي معه الضمانات التي ارتبطت بمكان العمل القديم.

 

ومن ثم، يتحول الهدم إلى قضية اجتماعية واقتصادية تتجاوز سور المصنع، لأنها تضرب سوق العمل في الغربية وتبدد خبرة تراكمت منذ تأسيس الشركة سنة 1960.

 

 

44 فدانا خارج حساب الصناعة

 

وفي تقييم اقتصادي، يحذر عمرو عادلي، الباحث في الاقتصاد السياسي، من اختزال قيمة المصانع العامة في مساحة أراضيها، لأن العائد السريع من العقار لا يعوض فقدان الإنتاج والعمل.

 

إذ تقع 44 فدانا في موقع مهم بمدينة طنطا، ما يجعلها هدفا مغريا للاستثمار، لكن تحويل الأرض إلى سلعة لا يجيب عن مصير العمال ولا عن خسارة طاقة صناعية قائمة.

 

لكن طرح الموقع بعد هدم المصنع يثير شكوكا مشروعة حول أولوية القرار، خاصة بعدما أنفقت الدولة عشرات المليارات على تطوير قطاع الغزل والنسيج دون استقرار واضح في نتائجه.

 

وبذلك يبدو التناقض صارخا بين خطاب تحديث القطاع على الورق، ومشهد الماكينات التي تفكك على الأرض، والعمال الذين ينتظرون ضمانات تحميهم من كلفة قرارات لم يصنعوها.

 

كما أن طنطا لا تحتاج إلى فراغ صناعي جديد، بل إلى مصنع يعمل بكامل طاقته ويستوعب العمالة المدربة، لأن المدينة لا تُبنى بالمزادات وحدها ولا بالأراضي الخالية.

 

وعوضا عن الهدم، كان يمكن توجيه الموارد لتحديث خطوط الإنتاج وتأهيل العمال ورفع تنافسية الخيوط والمنسوجات، بما يحافظ على القطن المصري وعلى فرص العمل المرتبطة به.

 

وفي النهاية، لا يطلب عمال غزل طنطا امتيازا خاصا، بل حقا واضحا في عمل آمن وأجر مستقر وتعويض عادل، قبل أن تتحول 44 فدانا إلى عنوان جديد للتفريط بالصناعة.